ونصفه في الماء ، ثم حين غاب جاء إبليس عليه اللعنة ، وقال : أين ابني ؟
فأخبرته حواء عليها السلام بالحال ، فدعا إبليس إليه ثانيا ، فجمع اللّه تعالى أجزاءه وسوّاه كما كان ، فجاء إلى إبليس .
ثم إنّه تضرّع إليها نوبة ثالثة ليبقى عندها ، واستشفع كثيرا ، وأبت حواء عن ذلك إلى أن أقسم باللّه ، ولانت حواء في القبول - ونقل أنه عليه اللعنة جاء به إليها في النوبة الثالثة على صورة غنمة وتركها عندها - وذهب ، وجاء آدم عليه السلام ، وسألها عنه ، وغضب غضبا شديدا ، وقال : مالك لا تقبلين كلامي ، وتمتثلين أمر عدوّ اللّه ، وتغترّين بكلامه ؟ فعمد إليه وذبحه ، وطبخه ، وأكل هو نصفه ، وحواء نصفه ، ثم جاء إبليس عليه اللعنة ، وعلم بالحال ، ففرح به فرحا عظيما ، وقال : حصل مقصودي ، إذ ما كان مرادي إلّا أن يكون له منزل ومقام في باطنكم . يدلّ عليه قوله تعالى :
الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
[ الناس : 4 - 5 ] .
وقال الشيخ محمد رحمه اللّه : من تبقى فيه من صفات بشريته ذرّة ، فهو كمكاتب يبقى عليه من نجوم الكتابة درهم ، فإنّه بعد رقيق مثله ، والحال أنّه رقيق لأجل درهم إلّا من أنجاه اللّه تعالى من رقّ نفسه ، وحرّره ، فهو مثل مكاتب أدّى جميع النّجوم ، وصار عتيقا ، وهو المجذوب الذي أعتقه اللّه تعالى ، ثم جذبه ، وهو الحرّ الحقيقي ، كما قال اللّه تعالى :
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
[ الشورى : 13 ] فأهل الاجتباء هم أهل الجذبة ، وأهل الهداية هم الذين طلبوه بالإبانة « 1 » والرجوع إليه .
وقال : من كان جاهلا بأوصاف العبودية ، فهو بأوصاف الرّبوبية أجهل .
وقال : أتريد أن تعرف ربّك مع بقاء نفسك ؟ ! ونفسك لا تقدر أن تعرف نفسها .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : الذين طلبوا بالإبانة .