أراد أن يرجع قال : أنا الخضر ، وكنت في طلب صحبتي مدّة ، واليوم اشتغلت بالصّحبة ، وتركت وردك من قراءة القرآن ، فإذا كانت الصّحبة مع الخضر هكذا ، فكيف مع غيره ؟ فعلم أنّ العزلة والوحدة والخلوة والاشتغال بالحقّ أشرف وأفضل من الصّحبة .
نقل أنه رحمه اللّه كان له ابن ، وسلّمه إلى معلم يعلّمه القرآن ، فجاء يوما قد اصفرّ وجهه ، وهو يرجف ، فسأله أبوه عن حاله ، قال : علّمني الشيخ المعلّم اليوم آية وهي قوله تعالى :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً
[ المزمل :
17 ] .
أقول : قيل : يصير الطفل يوم القيامة شيخا ذا شيبة إمّا لطول ذلك اليوم ، أو لكثرة الأحزان والهموم فيه ، وكثرة الحزن ممّا يشيب الإنسان ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم :
« شيّبتني سورة هود » « 1 » عليه السلام ، وذلك لحصول الحزن بسبب قراءتها ، ومعرفة ما فيها من أهوال القيامة وأحوالها ، أو قوله تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] . واللّه أعلم .
ثم قال الصبي : فزع قلبي من هول يوم القيامة ، ومات من ذلك ، وأبوه رحمه اللّه كان يبكي على قبره ، ويقول : يا ولدي ، أنت سمعت آية من كلام اللّه تعالى وزهق روحك من الخوف ، وأبوك قرأ القرآن كلّه ، وختم كم مرّة ، ولم يؤثّر فيه ! .
نقل أنه رحمه اللّه كلّما كان يفرغ من أداء الصلاة يستحيي مثل من يتّهم بسرقة أو بجريمة كبيرة .
أقول : وذلك لأنّه كان يستحقر عبادته ، ويعظّم اللّه تعالى غاية التعظيم ، ثم يستحيي من اللّه تعالى في أنّه خدم حضرته المقدّسة بما لا يليق بكبريائه وعظمته . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 3293 ) في التفسير ، باب ومن سورة هود ، وأبو يعلى 1 / 102 ، وصححه الحاكم في المستدرك 2 / 476 ، ووافقه الذهبي .