نقل أنّه ما رأى الخضر مدّة بعد ما يرآه إلى أن خرج وعليه ثياب نظيفة ، وقصد الجامع ، فطلعت جارية على سطح ، ومعها طست مملوء من البول والنجاسة ، وصبّته على الشيخ ، وهو لم يغضب عليها ، وكظم الغيظ ، وعبر ، فرأى الخضر عليه السلام في ساعته .
نقل أنه اشتهر من أدبه أنّه ما بصق قدّام أهله ، ولا ألقى النخامة ، فجاء إليه رجل ، وقصد امتحانه في هذا ، فالتقى به في المسجد ، ومكث إلى أن خرج منه ، فذهب في أثره ، فأدرك الشيخ ذلك ، والتفت إلى الرجل ، وبزق ، فتعجّب الرجل من ذلك ، وقال في نفسه : إنّ ما سمعت في هذا الباب كان كذبا ، والشيخ أدّبني . فأدرك الشيخ هذا أيضا ، وقال : يا ولدي ، صحّ ما سمعت ، ولكن إذا أردت الاطلاع على سرّ من الأسرار فعليك بالكتمان ؛ فإنّ من يكتم سرّ السلاطين يكبر شأنه .
ونقل أنّ امرأة ذات جمال عشقته ، وهو شابّ حدث ، وكثيرا ما دعته ، فلم يقبلها إلى أن سمعت أنّ الشيخ في بستان ، فزيّنت نفسها ، وقصدت البستان ، ودخلته ، وحين اطّلع الشيخ عليها ، هرب منها ، وهي تسعى خلفه ، وتصيح وتقول : يا فلان ، لم تسعى في هلاكي ؟ والشيخ لم يلتفت إليها ، وصعد حائطا ، وألقى نفسه منه ، وذهب ، ولما كبر وشاب تذكّر يوما ما جرى بينه وبينها ، وخطر بباله : لو قضيت حاجتها ، وإنّي كنت شابّا ثم تبت ، ثم قال : كربت لذلك كربا شديدا ، وقلت : ما خطر هذا ببالي ، وقد كنت أربعين سنة ، والآن يخطر ببالي مثل هذا ، وأنا ابن ثمانين سنة ، ومضى عمري في الرياضة والمجاهدة ، وظننت أنّي نزلت من مقامي ، واغتممت غمّا عظيما حتى حصل لي مرض ، وكنت أفتكر في سبب هذا الخاطر ، ثم رأيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعد ثلاث ليال ، وقال لي : لا تحزن يا محمد ، فإنّ ذلك الخاطر لم يكن بسبب نقصان مرتبتك ؛ بل لأنّه مضى علينا أربعون سنة أخرى ، وطال العهد بيننا وبينك ، فما جرى عليك ما كان لأجل قصور ونقصان فيك ، بل لبعد العهد ، وطول المفارقة .
ومن كلماته أنه قال : إنّ السالك بعد رياضات كثيرة ، وآداب ظاهرة
تذكرة الأولياء — صفحة 625
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٦٢٥