ولم يكن في عهده أحد في ترمذ يفهم كلامه ، وكان مهجورا فيما بينهم لأجل هذا .
وهو في أول أمره قصد السفر مع صاحبين لأجل تحصيل العلم ، وكانت والدته باقية ، فاغتمّت لذلك ، لأنها كانت عجوزة ضعيفة عاجزة ، وهو كان قائما بخدمتها ، وتحصيل معاشها ، فقالت : يا ولدي ، تفارقني ، وأنا كما ترى ! فأثّر كلامها في قلبه ، وترك السفر ، وسافر صاحباه ، ثم بعد خمسة أشهر كان يوما جالسا في بعض المقابر ، ويبكي بكاء عظيما ، ويتضرّع ويقول : بقيت ضائعا معطّلا ، وأصحابي ورفقائي في التحصيل ، وأنا في الجهل ، ويتحسّر ويتأسّف ويتلهّف ، إذ طلع شيخ بهيج نورانيّ ، وقال : لم تبكي ؟ فأخبره حاله ، فقال له : احضر هنا كلّ يوم ، وأنا أعلّمك شيئا من العلم . وهو كان يواظب ذلك المكان ، ويتعلّم منه إلى ثلاث سنين ، ثم تبيّن له أنّه الخضر عليه السلام ، ولم ينل هذه الدرجة إلّا ببركة دعاء والدته .
قال أبو بكر الورّاق : كان الخضر عليه السلام يحضر عنده ، ويعرض عليه واقعات ، وهو أيضا يعرض على الخضر عليه السلام واقعات .
وقال أبو بكر الورّاق : قال لي الشيخ محمد بن علي رحمه اللّه : أريد أن أذهب إلى مكان . فقبلت كلامه وتبعته ، وتماشينا قليلا ، فإذا نحن في فلاة صعبة ، ورأينا كرسيّا من ذهب منصوبا في ظلّ شجرة خضراء ، وعينا جارية من الماء البارد الزّلال ، ورأيت شيخا جالسا على الكرسيّ ، وعليه لباس فاخرة ، فسلّم الشيخ محمد على ذلك الشيخ ، فردّ عليه الجواب ، وقام له ، وعظّمه ، وأجلسه على الكرسيّ في جنبه ، فما مكثنا ساعة إلّا وجاء من كلّ جانب طائفة ، فأكلوا ، ثم سأل الشيخ محمد ذلك الشيخ مسألة ، وهو شرع في الجواب ، وأطال ، وأنا ما فهمت قطّ معنى كلامه ، ثم استأذن منه ، ورجعنا ، وقال لي :
صرت سعيدا ؟ وبعد زمان وصلنا إلى ترمذ ، قلت : أخبرني يا شيخ عن ذلك المكان ، ومن كان ذلك الشيخ ؟ قال : أمّا المكان الذي رأيت فتيه بني إسرائيل ، والشيخ الذي رأيته هو قطب العالم الذي عليه مداره بقدرة اللّه تعالى . قلت
تذكرة الأولياء — صفحة 622
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٦٢٢