تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
عنهم بجميل الخلق ، وابتداؤه بطلب الإحسان من اللّه إليهم ، من غير التماس منهم ، وتعليق الهمّة بنجاتهم ، وترك الانتقام منهم ، والتوقّي من استثار حقد عليهم ، وقصر اليد عن أموالهم ، وترك الطّمع بكلّ وجه فيهم ، وإمساك اللّسان بالسّوء عنهم ، وغضّ البصر عن شهود مساوئهم ، ولا يكون خصيما لأحد في الدنيا ولا في الآخرة :
فاسمع بأذنك حال القوم تعرفهم * واسلك طريقهم تسلم كما سلموا
وأما اليوم فترى هذه الحديقة بستانا يبست أشجارها ، وانتثرت أزهارها ، واندرست آثارها ، ولا ترى أحدا من الشيوخ المهتدين ، ولا شبان الذين كانوا بهم مقتدين ، فغلّق باب الورع وطوي بساطه ، وانفتح طريق الفساد واشتدّ رباطه ، ظهرت ناس تركوا آداب الشريعة ، وجعلوا الإباحة والشيطنة لهم ذريعة ، لا يميّزون بين الحلال والحرام ، ولا يبالون بترك الصلاة والصيام ، تراكمت غفلاتهم ، وتوالت شهواتهم ، يباهون باعتقاد الجهلة فيهم والنسوان ، ويزيّنون لهم ما يزيّن لهم الشيطان ، ومع ذلك دعوتهم أنّهم بلغوا من الولاية إلى ذراها ، وسلكوا هذه الطريقة إلى أعلاها ، والحال أنّهم لم يسمعوا من الولاية إلّا الاسم ، بل ربّما لم يسمعوا الاسم أيضا ولا شاهدوا الرسم ، والذي يقضي منهم العجب حال من يدّعي العقل والإدراك ، ثم يعتقدهم ؛ بل يحبّهم حتى يأتيه فيه ويتحسّر عليهم ، ويصير مبذّرا بسببهم ، وهو غافل عن قوله تعالى
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
[ الإسراء : 27 ] . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « فإيّاكم وإيّاهم أن تضلّوا وأن تفتنوا » أعاذنا اللّه من غضبه وقهره ، ومن عمل الشيطان ومكره ، فهو حسبنا ونعم الوكيل . * * *