فإنّ أنوار شموس الفقر تلألأت عليك ، فما قمت لك أولا نظرا إلى سلطنتك ، وأقوم الآن اعتبارا لفقرك . ثم سافر السلطان بعده إلى نواحي سومنات « 1 » من ديار الهند « 2 » ، واجتمع لأجل محاربته عسكر الكفار ، وكاد المسلمون أن ينهزموا ، فنزل السلطان ، وانزوى في موضع خال ، وأخذ قميص الشيخ ، وتمرّغ في التراب ، واستشفع به إلى اللّه تعالى ، وقال : إلهي ، بحرمة صاحب هذا القميص أسألك أن تنصر جيشنا . وهو في ذلك ، إذ هاجت من جانب خراسان ريح فيها ظلمة ، حتى قصد الكفار بعضهم بعضا ، وتقاتلوا ، وانهزموا ، وانتصر المسلمون ، وانتقموا من الكفّار ببركة قميص الشيخ ، ثم رأى السلطان محمود رحمه اللّه في ليلته في المنام أنّ الشيخ يقول له : يا محمود ، لم أرقت ماء خرقتي على باب اللّه ، فإنّك لو طلبت من اللّه تعالى تلك الحالة إسلام الكفار جميعهم « 3 » لأسلموا بتوفيق اللّه تعالى .
نقل أن أبا الحسن قال ليلة : إن جماعة من القطّاع ينهبون الساعة طائفة في الوادي الفلاني ، ويخرجونهم . فلمّا فتّشوا ، كان الأمر كذلك ، والحال أنّ بعض الأعداء قتل ولدا للشيخ في تلك الليلة وقطع رأسه ، ورماه في بيت الشيخ ، ولم يكن له خبر عن ذلك ، وامرأته كانت تنكره ، فقالت : وا عجبا ، إنه يخبر عن فراسخ ، وليس له علم عن أحوال ولده في قربه ؟ ! فقال الشيخ رحمه اللّه : نعم ، إنّ اللّه تعالى رفع الحجاب بيني وبين القطاع ، ولم يرفع ما بيني وبين الولد « 4 » .
هامش
( 1 ) سومنات : صنم عظيم عند الهنود ، على الساحل الشرقي للهند ، وهو عندهم يحيي ويميت ، ويرزق وينصر ، كانوا يحجون إليه ، ويقدّمون له نفائس أموالهم ، فيتجمّع عنده مال يتجاوز الوصف ، وهو على عرش بديع علو خمسة أذرع ، وطول الصنم عشرة أذرع ، وفي خدمته من البراهمة 300 رجل يحلقون رؤوس حجّاجه ولحاهم ، و 800 رجل وامرأة يغنون ويرقصون عند بابه . ويجتمع عنده في عيدهم نحو مئة ألف كافر . استطاع محمود الغزنوي عام 416 ه بعد جهد ومشقة من حرقه بعد تحطيمه ، وغنم مغانم كثيرة ، وللّه الحمد والمنة . انظر وفيات الأعيان 5 / 179 ، سير أعلام النبلاء 17 / 490 .
( 2 ) في ( ب ) : من ديار الكفر .
( 3 ) في ( ب ) : إسلام الكون جميعهم .
( 4 ) انظر الخبر صفحة 607 ، و 776 .