أبي الحسن رحمه اللّه زائرا له ، ونزل خارج القرية ، وبعث إليه شخصا ، وأمره أن يقول للشيخ : إن السلطان قطع منازل ، وجاء إليك ، فعليك أن تأتي إلى خيمته من بيتك ، وإن لم يقبل ، تقرأ عليه هذه الآية
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
[ النساء : 59 ] فلمّا اطّلع على المقصود ، تبرّم عن الذهاب إليه ، واعتذر ، فقرأ عليه الرجل الآية ، قال الشيخ : قد استغرقت في
أَطِيعُوا اللَّهَ
بحيث ما أتفرّغ إلى
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وحصل منه خجالات ، فكيف ألتفت إلى
وَأُولِي الْأَمْرِ
؟ فرجع الرجل ، وأخبر السّلطان بما سمع ، فرقّ قلب السلطان ، وقال : قوموا نذهب إليه ؛ فإنّه ليس ممّا ظننّاه . فألبس ثيابه وزيّه مملوكه الذي يسمّى إياسا ، وقدّمه ، وهو يمشي خلفه على هيئة الغلمان ، ومعه جماعة من الغلمان والعبيد والجواري ، فدخل إياس على هيئة السّلطان ، وسلّم ، فردّ الشيخ الجواب ، ولم يقم ، ولا التفت إلى إياس ؛ بل نظر إلى السّلطان ، وعرفه بنور الفراسة ، وأمسك يده ، وأجلسه في جنبه ، ثم محمود التمس منه شيئا من كلمات أبي يزيد ، قال الشيخ :
مر هذه الجواري ليخرجن من المجلس ؛ فإنّهن أجنبيات . قال : قال أبو يزيد رحمه اللّه : من رآني فقد نجا عن رقم الشّقاوة . قال محمود : يلوح عن هذا الكلام أنّ أبا يزيد يكون أفضل من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، لأن أبا لهب وأبا جهل وغيرهما من الكفّار رأوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يأمنوا من الشقاوة ؟ فقال الشيخ : لا نتخطّ الأدب ، ما رأى النبيّ أحد غير أصحابه ، والكفار ما رأوه ، وإن كانوا يبصرونه ، والدليل عليه قوله تعالى :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] .
أقول : معنى قول أبي يزيد ( من رآني فقد أمن من الشقاء ) أنه من رآه كما رأى أصحاب النبيّ عليه السلام إيّاه . أي : اعتقدوا فيه ، وقبلوا كلامه ، واقتدوا به في جميع أفعاله وأحواله ، وامتثلوا أوامره ونواهيه ، واسترشدوا بإرشاده ، وأكبّوا على ما أمرهم اللّه من الطاعة والعبادة ، ووافقوه في الرّياضة والمجاهدة ، واستمرّوا على جميع ذلك ، حتى خرجوا من الدنيا ، وهم على ذلك ، فلا شكّ أنهم آمنين وناجين « 1 » ، فكذلك حال أصحاب أبي يزيد معه ، يؤيّده ما روي
هامش
( 1 ) كذا الأصل .