تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
وتعانقا ، فانقلب بقدرة اللّه تعالى بسط أبي سعيد حزنا وقبضا ، وقبض أبي الحسن بسطا ، حتى أن أبا سعيد أغتمّ ، ووضع رأسه على ركبته ، ويبكي طول الليل ، وأبا الحسن يشهق إلى الصباح من الطرب ويرقص ، فلمّا أصبحا جاء أبو الحسن إلى أبي سعيد وقال : يا شيخ ، أريد حالتي التي من القبض والحزن ، ولا أريد هذا البسط ، فإنّ ذرّة من الحزن خير عندي من جميع البسط والفرح في الدنيا ، ففعلا مثل الأول ، وانعكس الأمر ، وانقلب الحال بتقدير اللّه تعالى . نقل أن أبا سعيد لمّا خرج من مجلس أبي الحسن مسح بلحيته حجرة كانت في ممرّ مسجد أبي الحسن رحمه اللّه تواضعا له ، ثم أمر أبو الحسن حتى نقلوها إلى محراب المسجد احتراما لأبي سعيد ، فلمّا أصبحوا رأوها في مكانها الأول ، ثم نقلوها إلى المحراب ، وفي اليوم الثاني وجدوها في مكانها الأول ، وهكذا إلى كم مرة ، ثم قال أبو الحسن : اتركوها ؛ فإنّ تواضع أبي سعيد معنا أكثر من ذلك . لكن حوّل باب المسجد إلى جدار آخر لئلا تداس تلك الحجرة . وقال أبو سعيد : ذهبت إلى أبي الحسن وأنا خرقة ، ثم رجعت وأنا جوهرة لا قيمة لها . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه : دخلت بلد خرقان ، فلم يبق لي فصاحة ولا بلاغة ولا عبارة ، حتى رأيتني خاليا عن كلّ شيء ، وما ذلك إلّا عن حشمة ذلك الشيخ - يعني أبا الحسن . نقل أن أبا علي بن سينا لمّا سمع أخبار أبي الحسن قصده ، وجاء إليه ، فلمّا وصل الباب ودقّه ، خرجت إليه امرأته وقالت : ما تريد ؟ قال أبو علي : أريد الشيخ أبا الحسن . قالت المرأة : ذلك الزنديق الكذّاب ، فلم تعبت لأجله ؟ قال أبو علي : لا غنى لي من صحبته . قالت المرأة : ذهب يحتطب . فخرج أبو علي إلى الصحراء في طلبه ، فرآه يجيء وقد حمل الحطب على أسد ويسوقه ، فحصل لأبي عليّ من ذلك حال وتعجّب في شأنه ، فلمّا وصل إليه ، قال
تذكرة الأولياء — صفحة 578 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر