قال : قصدت أن أكتسب وجها حلالا للمعاش ، فأخذت شبكة ، وذهبت إلى جنب النهر ، ورميتها في النهر لأصطاد السمك ، فسمعت هاتفا يقول :
تدّعي أن تكسب حلالا ، وتريد أن تمنع السّمك عن ذكري باصطيادك ؟ ! قال :
فندمت عمّا قصدت ، وتركت .
نقل أن الخوّاص رحمه اللّه كان يقول : أتمنّى أن يرزقني اللّه تعالى بقاء أبديّا في الدنيا ، حتى إن أهل الجنة إذا اشتغلوا بالتنعّم ، وتركوا العبادة ، أنا أكون قائما بحفظ آداب الشريعة ، عابدا للّه تعالى ، ذاكرا له .
أقول : وهذا يدلّ على غاية حرصه ورغبته في عبادة اللّه تعالى وطاعته ، حتى تمنّى عمرا أبديّا ليصرفه في العبادة من غير التفات له إلى نعيم الجنة ، ليعلم أنّ عبادته للّه تعالى إنّما هي للّه ، لا لأجل رغبة في الثواب ، ولا رهبة في العقاب ، والإخلاص ليس إلّا هذا . واللّه أعلم .
وقال رحمه اللّه : إذا كان قلبك ساكنا ، وإن كانت يدك فارغة ، فاذهب أينما تريد .
وقال : من عرف اللّه تعالى بوفاء العهد يلزمه أن يطمئنّ قلبه باللّه ؛ ويعتمد عليه .
وقال رحمه اللّه : ليس العلم بكثرة الرواية ؛ بل باتباع العلم للعمل ، والاقتداء بالسّنة ، وإن كان العلم قليلا .
وقال رحمه اللّه : العلم كلّه مجتمع في كلمتين : أن لا تتكلّف بشيء لم يفرضه اللّه عليك ، ولا تترك شيئا فرضه اللّه تعالى عليك .
وقال : من سكن قلبه إلى غير اللّه ابتلاه ، فإذا رجع إلى اللّه تعالى يدفع عنه كلّ بلاء ، وإن دام سكونه مع غير اللّه أزال اللّه الترحّم عليه عن قلوب عباده ، وألبسه لباس الطمع حتى يسأل الناس ، ولا يكون في قلبهم شفقة ، فيصير عيشه ضيقا ، وموته شديدا ، ويبقي في القيامة تأسّفه وندامته .
تذكرة الأولياء — صفحة 522
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٥٢٢