يعبر ، فقال له أبو عثمان على طريق الشفقة : لا تفزع ، فإننا إخوة . فأثّر الكلام في فؤاده ، ورجع وتاب ، وذهب مع الشيخ إلى الخانقاه ، وأمره الشيخ بالاغتسال ، وألبسه خرقة ، ثم رفع رأسه وقال : إلهي ، وفينا ما علينا ، فبقي ما عليك . فورد على الفتى في الساعة حال من أحوال الرجال ، حتّى تحيّر الشيخ في ذلك ، وقال : شيء كنّا نطمع فيه أن يحصل لنا في عمر ، قد حصل لهذا الفتى في لحظة مجانا ، فعلمنا أنّ الفضل بيد اللّه تعالى يؤتيه من يشاء .
قيل له : نذكر اللّه تعالى باللّسان ، ولا يوافقنا القلب . فقال : اشكروا اللّه تعالى على أن أطاعه عضو من أعضائكم ، فيمكن أن يوافق القلب بعد ذلك .
نقل أنه سئل عن شخص يدخل على جماعة يحبّ قيامهم له ، ويكره أن لا يقوموا له ، فسكت ، وما أجاب حتى اتّفق يوما في جماعة فقال : سألوا منّي هذه المسألة ، والجواب : أنّ مثل ذلك الشخص إن شاء فليمت يهوديّا ، وإن شاء فليمت نصرانيّا .
قال : ينبغي أن تكون الصحبة مع اللّه تعالى بحسن الأدب ، ودوام الهيبة ، ومع الرسول صلى اللّه عليه وسلم بمتابعة السّنّة ، وملازمة ظاهر العلم ، ومع الأولياء بلزوم الخدمة ، ومع الإخوان بالبشاشة والطلاقة ، إن لم يكونوا في عصيان ، ومع الجهّال بالشفقة والرحمة والدعاء .
وقال : إذا سمع التلميذ شيئا من كلام القوم ، وعمل به ، يظهر نوره في آخر العمر في قلبه ، وينفعه حينئذ ، ومن يسمع منه ذلك الكلام ينتفع به ، ومن سمع من المشايخ كلاما ، ولم يعمل به كان كحكاية سمعها ، فحفظها ، ثم عن قريب ينسى .
وقال : من لم يكن في ابتداء أمره مستقيما ، لا يزداد إلّا إدبارا .
قال : لا يتمّ رجل إلّا إذا استوى عنده أربعة أشياء : المنع ، والإعطاء ، والعزّ ، والذلّ .
وقال : أعزّ الأشياء على وجه الأرض ثلاثة : عامل يدلّ عمله على
تذكرة الأولياء — صفحة 478
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٧٨