وقال : مضي عليّ أربعون سنة ما ورد عليّ حال أكون كارها له ، حتى نقل عنه أن شخصا من المنكرين دعاه إلى بيته باسم الضيافة ، فلمّا وصل إلى الباب ، قال له : يا عبد البطن ، ارجع ؛ ليس هنا شيء تأكله . فرجع ، ثم عدا خلفه ، وصاحه وردّه ، فلمّا وصل إلى الباب قال : لك جدّ عظيم في الأكل ، وليس هنا شيء تشبع به . فرجع ، ثم سعى خلفه ، وقال : يا شيخ ، ارجع . فرجع ، فلمّا وصل إلى الباب قال : إن تأكل الحجر فتعال ، وإلّا فارجع . وهكذا إلى أربعين مرة ، ولم يتغيّر أصلا ، ثم تمرّغ الرجل بين يديه ، وتاب ، وصار تلميذا له ، وتعجّب من حلمه وسكونه . فقال أبو عثمان : هذا أمر هيّن ، فإنّ الكلب كلّما تطرده يرجع ، وإذا تدعوه يجيء إليك ، ولكنّ شغل الرجال شيء آخر .
نقل أنه كان يعبر في بعض الطرق ، ومعه جماعة من أصحابه ، فجاء شخص على طرف سطح ، ونثر عليه طستا من الرّماد ، فغضب أصحابه لذلك ، فقال أبو عثمان رحمه اللّه : لا تغضبوا ؛ فإن هذا مقام الشكر ، إذ من كان مستحقّا للنار قد صالحوا معه بالرماد .
قال أبو عمرو : إني تبت في ابتداء أمري في مجلس أبي عثمان ، وكنت على التوبة مدّة ، ثم نقضت التوبة ، واشتغلت بالمعاصي ، وأعرضت عن مجلس الشيخ ، وكنت إذا ألتقي به في الطريق أهرب عنه ، حتى التقاني يوما ، وقال :
يا ولدي « 1 » ، لا تجالس مع الأعداء إلّا إذا كنت معصوما ؛ فإنّهم يفرحون إذا اطّلعوا على بعض عيوبك ، ويتحزّنون إذا وجدوك معصوما منها ، فإن أردت أن يصدر منك معصية ، فتعال إلينا ، فإنّا نحمل بلاءك ، ولا تفرح بك أعداءك .
قال : فلمّا سمعت كلام الشيخ برد قلبي عن المعاصي ، وشبعت منها ، وتبت توبة نصوحا .
نقل أنه كان يمضي في بعض الطّرق ، فاستقبله شابّ عيّار سكران ، ومعه رباب ، فظنّ أنّ الشيخ ينهره عن ذلك ويزجره ، فستر الرباب في كمّه ، وأراد أن
هامش
( 1 ) في ( أ ) : يا وليّ .