تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
القيود جرّدهم وأنجاهم ، وقرّبهم إليه فناجاهم ، ونادى في سرّ محبّ في مفازة الحبّ هنالك : أبشر ولا تحزن ، فأنت لي وأنا لك . ثم إنّهم ما نظروا إلى الدنيا إلّا بالاعتبار ، فلا جرم أنّهم فرّوا منها أشدّ الفرار ، ولم يلتفتوا إلى الآخرة وإن كانت هي دار القرار ، فرفضوهما ونبذوهما وراءهم ظهريّا ، ونفضوا أذيالهم عنهما وجعلوهما نسيا منسيّا ، فلم ينظروا إلى ما سواه ، ولم يطلبوا منه إلا إياه . وهم على اختلاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم على قسمين : 1 - فمنهم : من أخفاه اللّه عن الخلق غيرة عليه ، وإجلالا له ، فلا يعرفه مخلوق ولا يعلم حاله ، ونعم ما قيل فيهم « 1 » :
للّه تحت قباب العزّ طائفة * أخفاهم عن عيون الخلق إجلالا هم السّلاطين في أطمار مسكنة * استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا غبر ملابسهم فطس معاطسهم * جرّوا على قلل الأفلاك أذيالا « 2 »
2 - ومنهم : من أظهره إرشادا لغيره وله تحكيما « 3 » ؛ ليتّبعوا أفعاله ويقتفوا أحواله وتكميلا ، فشرّف بذكرهم الألسنة والخواطر ، والأقلام والدفاتر ، وشوّق إلى كلماتهم الصالحين ، وعطّش إلى معاملاتهم المتّقين ، فاجتهدوا بأنوارهم في طلبهم فوجدوهم ، واسترشدوا بهم فأرشدوهم ، حتى اهتدوا بأنوارهم ذرة « 4 » فالتزموا اقتفاء آثارهم ، فطوبى لهم وحسن مآب ، إذ لا خوف عليهم - إن شاء اللّه - ولا هم يحزنون . 3 - وقوم أبغضهم وأنكرنا عليهم أحوالهم ، فصارت فعالهم أفعى لهم ، فخبث لهم وشرّ مآب ، وخسر هنالك المبطلون . ثمّ اللّه جلّت قدرته ، وعلت كلمته منّ على العالمين عموما وعلى المؤمنين خصوصا بوجود سلطان عادل كريم ، على المؤمنين شفيق وبهم رحيم ، جبل
هامش
( 1 ) ذكر الأبيات ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة 8 / 24 من غير عزو . ( 2 ) النجوم الزاهرة : شمّ معاطسهم . جرّوا على فلك الخضراء أذيالا . ( 3 ) وتقرأ : وله تحليما . ( 4 ) كذا في الأصل ، ولعلها : ذروة .
تذكرة الأولياء — صفحة 6 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر