يبكي ببكائه ، ثم لمّا خرج الرجل من عنده ، قال للحاضرين من أصحابه : هل عرفتم الشخص ؟ قالوا : لا . قال : هو الشيطان ، كان يحكي عباداته وخدماته ، ويبكي من ألم الفراق والردّ والطرد ، وأنا أيضا بكيت معه .
قال جعفر الخلدي « 1 » رحمه اللّه : كان النّوريّ رحمه اللّه في خلوته مشغولا بمناجاته مع اللّه تعالى فاستمعت له ، فإذا هو يقول : إلهي ، تعذّب أهل جهنم ، وأنت خلقتهم بقدرتك على وفق علمك وإرادتك ؟ ! وأعلم أنّك قادر على أن تملأها منّي وحدي ، فأسألك اللّهمّ أن تملأ جهنّم منّي ، وتدخل الناس كلّهم الجنة . فتحيّرت عن هذا ، ثم رأيت في المنام كأنّ شخصا يجيء إليّ ويقول :
يا جعفر ، قال اللّه تعالى : قل للنوري : إنّا غفرنا له ورحمناه بسبب شفقته وعاطفته .
نقل أنّه قال : وجدت ليلة المسجد الحرام - شرّفه اللّه - خاليا عن الناس ، فاشتغلت بالطواف ، ووصلت إلى الحجر الأسود ، وقلت : إلهي ، ارزقني صفة لا أتغيّر منها ، فسمعت صوتا من داخل الكعبة : يا أبا الحسين ، تريد المعارضة معنا ، فإنّا لا نتغيّر عن أوصافنا ، وأمّا العباد فهم يتغيّرون من صفة إلى صفة ، ومن حال إلى حال لتتميز الرّبوبية عن العبودية .
قال الشبلي رحمه اللّه : دخلت على النّوري رحمه اللّه وهو في المراقبة ، ولا تتحرّك عليه شعرة ، فقلت : من علّمك هذه المراقبة ؟ قال : إنّي قد تعلّمت من السنور ؛ فإنّه يترقّب الفأرة بحيث لا تتحرّك عليه شعرة ، بل هو أسكن منّي بكثير .
نقل أنّ أهل القادسية « 2 » سمعوا ليلة صوتا : أنّ وليّا من أولياء اللّه قد حبس نفسه في وادي السباع « 3 » ، هلمّوا إليه . فخرج الناس ، وذهبوا إلى وادي السباع ، فصادفوا الشيخ أبا الحسين النّوري رحمه اللّه قد حفر حفرة « 4 » ، ودخل فيها ،
هامش
( 1 ) في ( ب ) : جعفر الخدري .
( 2 ) القادسية : مدينة بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا . معجم البلدان .
( 3 ) وادي السباع اسم لأكثر من مكان ، وهو هنا من نواحي الكوفة ، معجم البلدان .
( 4 ) في ( أ ) : حفر حفيرة .