تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
ثم ذهبت إلى جنب دجلة ، ووقفت بين زورقين ، وقلت : لا أبرح عن هذا المكان حتى تقع سمكة في شبكتي ، فوقعت سمكة عظيمة ، فحمدت اللّه تعالى على ذلك ، وتفاءلت به على حسن حالي ، وذهبت إلى الجنيد ، وحكيت له الحكاية ، فقال : يا أبا الحسين ، لو وقعت في شبكتك حيّة لكان كرامة ، أمّا وقوع السمكة فتغرير لك لا كرامة ، فإيّاك والغرور . أقول : معناه أنّ وقوع السمكة كان على وفق المراد ، ما دام السالك في مقام تحصيل مراده ، ويرى نفسه ، فينظر إليها ، فهو بعيد من المقصود ، لا قريب ، وأمّا إذا لم يكن مراده ؛ بل تقع الأشياء على خلاف مراده ، فذلك يدلّ على أنّه منظور بنظر اللطف « 1 » ، ملحوظ بالكرامة والإعزاز ، قال الشاعر :
لقد طاب عيش الغافلين ونومهم * وقد صار قلب العارفين مروّعا
واللّه أعلم . نقل أنه قد نهض شخص من غلمان الخليفة بعداوة الصوفية « 2 » ، وقال عند الخليفة في حقّهم : إنهم الزندقة والإلحاد ، ويحدّثون بالأشياء لا نعرف معناها « 3 » . إلى أن أمر الخليفة بقتلهم ؛ وهم أبو حمزة الخراساني ، والدقّام ، والشبلي ، والجنيد ، وأبو الحسين النّوري رحمهم اللّه تعالى ، وذلك بسبب شبهة أثبتوها عليهم بالزّور ، وحين قصد الجلاد قتلهم ، قام النّوري رضي اللّه عنه ، وقدّم نفسه ، والتمس من الجلاد أن يباشر بقتله أولا ، وكان مسرورا مستبشرا ، فتعجّب الجلاد عن حاله ، وقال : يا شيخ ، لأيّ شيء تستعجل ؟ وليس هذا مقام العجلة ، بل التأخّر مطلوب ! قال : نعم ، ولكن بناء طريقتنا على الإيثار ، والروح أعزّ الأشياء ، فأريد أن أؤثرهم عليّ بأنفاس . فعرض الجلاد على الخليفة ، فتحيّر الخليفة في شأنهم ، وثبات النّوري وإيثاره ، وأمر بالتوقّف ، وأمر القاضي أن ينظر في حالهم ، فقال القاضي : إنّي لا أشكّ في
هامش
( 1 ) في ( أ ) : على أنه منتظر بنظر اللّه اللطف . ( 2 ) هو غلام الخليل . انظر طبقات المناوي 1 / 523 . ( 3 ) في ( ب ) : ولا نعرفها ، ولا معناها .