وأيضا قيل : لأنّه كان يخبر بنور الفراسة عن الأسرار الباطنة .
وقيل : لأنه كان له صومعة في الصحراء ، وهو يشتغل فيها بالعبادة ، والنور يلمع منها بالليل ويتصاعد .
نقل أنه كان في الابتداء يأخذ من بيته كلّ يوم عددا من الخبز ، ويذهب إلى دكّانه ، ويتصدّق بالخبز في الطريق على المساكين ، وفي ظنّ أهله أنّه يأكل في الدكّان ، وأصحابه في الدّكّان يحسبون أنّه قد أكل في البيت ، وهو يدخل في المسجد ، ويصلّي إلى الظهر ، وهكذا إلى عشرين سنة ، ولم يطّلع عليه أحد .
نقل أنه قال : اجتهدت سنين ، وأعرضت عن الخلق كلّهم ، واشتغلت بالرياضة ، ولم ينفتح عليّ الطريق ، قلت : يا نفس ، أكلت وشربت ، وقلت وسمعت ، ونمت واستيقظت ، وعشت واشتغلت بالشهوات مدّة على حسب المراد ، ويجب عليك غرامتها وضمانها ، فالآن أحبسك ، وأجعل في عنقك سلسلة من حقوق اللّه تعالى ، وأقطعك عن المشتهيات والمرادات . ففعلت ذلك أربعين سنة .
وكنت أسمع أنّ قلوب هذه الطائفة ترقّ بكثرة الرياضة ، حتى إذا سمعوا شيئا ، أو نظروا إلى شيء اطّلعوا على سرّه « 1 » ، وإنّي ما شهدت ذلك بعد في نفسي ، فقلت : لا شكّ في أن ما روي عن الأنبياء والأولياء حقّ وصدق ، لكن التقصير إنّما هو منّي ، فلعلّ ما عملت من الأعمال كان رياء ، فلمّا تأمّلت في حالي ، وجدت نفسي وافقتني في الأعمال ، حتى أنّ ما عملت من عمل كان للنفس فيه حظّ ، ثم ألزمت عليّ مخالفة النفس في جميع الأفعال والأقوال ، حتى آيست منّي ، وانقطعت عن جميع الأماني والآمال ، وتوجّهت إلى اللّه تعالى بالكلّية ، وعملت له بعد ذلك بالإخلاص التامّ ، بحيث ما بقي للنفس في شيء من الأعمال حظّ ، فانفتح باب الأسرار والمعارف على قلبي ، فعلمت أنّ المراد لا يحصل إلّا بترك المراد .
هامش
( 1 ) قوله : ( على سرّه ) ليست في ( ب ) .