كمال الجنيد « 1 » في جميع العلوم ، وسمعت كلام النوري أيضا ، ولكن اسأل الشّبليّ أيضا مسألة فقيهة ، فقال : ما الواجب في عشرين دينارا إذا ملكه شخص مسلم ؟ قال : يجب عليه أن يبذل عشرين دينارا ونصف دينار . قال القاضي :
عمّن تقول هذا ؟ قال : عن الصدّيق رضي اللّه عنه ، حيث تصدّق بجميع ماله .
قال : وما النصف ؟ قال الشّبلي : لأنّه أمسك عشرين دينارا حتى وجب عليه نصف دينار ، فهذا النصف غرامة لإمساكه وعدم صرفه . ثم سأل عن النّوريّ مسألة ، فأجاب في الحال ، وأصاب ، فخجل القاضي ، فقال النّوريّ : يا أيّها القاضي ، تسأل عن المسائل الفرعية ، ولا تعلم أنّ للّه تعالى عبادا به قيامهم وقعودهم ، وحركتهم وسكونهم ، وحياتهم وموتهم ، وهم في مقام الشهود دائما ، فإن فاتهم الشّهود لحظة تزهق أرواحهم عن أجسادهم ، وبه ينامون ، وبه يأكلون ، وبه يبطشون ، وبه يمشون ، وبه يبصرون ، وبه يسمعون ، وبه وجودهم ، هذا هو العلم ، لا الذي سألتنا عنه . فتحيّر القاضي من كلامه ، وأرسل إلى الخليفة ، وعرّف أحوالهم لديه ، وقال : لو كان هؤلاء من الملاحدة أو الزنادقة ، لم يوجد على وجه الأرض موحّد . فطلبهم الخليفة ، وأعزّهم وأمرهم أن يسألوا عنه حاجة ، قالوا : حاجتنا إليك أن تنسانا « 2 » ولا تذكرنا بالردّ ولا بالقبول ؛ فإنّ ردّك وقبولك عندنا سواء . فبكى الخليفة ، وأجاز لهم في الرجوع إلى منازلهم وصوامعهم .
نقل أنه قال : قد فرّق بيني وبين قلبي منذ أربعين سنة حتى ما اشتهيت في هذه المدة شيئا ، ولا أعجبني شيء ، وذلك من اليوم الذي عرفت اللّه تعالى .
نقل أنه قال : سألت اللّه تعالى أن يرزقني حلالا دائما ، فسمعت هاتفا يقول :
يا أبا الحسين ، لا يصبر على الدّائم إلّا الدائم .
نقل أنه جاء إليه شخص ، وشرع يبكي ، وأبو الحسين النّوري رحمه اللّه
هامش
( 1 ) في ( أ ) : في حال الجنيد .
( 2 ) في ( ب ) : إليك أنت تنسانا .