في جانب آخر ، والحاكم عدل لا يجور ولا يظلم ، وقدّامي طريقان ، وما أعلم في أيّهما أسلك به ، ثم ختم القرآن ثانيا ، وقرأ من سورة البقرة سبعين آية فانضاقت حاله ، فقيل : قل اللّه . قال : ما نسيته . ثم عقد أصابعه ، وأرسل المسبّحة ، وقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وغمض عينيه ، وتوفّي إلى رحمة اللّه تعالى .
ثم إنّ الغسّال حين كان يغسّله ، أراد أن يفتح عينيه ، ويغسلهما ، فسمع هاتفا يقول : عين غمضت باسمنا ، لا تنفتح إلّا بلقائنا . فأراد أن يبسط أصابعه ، فسمع أيضا : أصابع عقدت على اسمنا ، لا تنبسط إلّا بأمرنا .
ثم رئي في المنام ، وسئل : كيف أجبت عن سؤال منكر ونكير ؟ قال : حين أتى إليّ الملكان المقرّبان من حضرة ربّ العزّة في غاية الهيبة ، وقالا لي : من ربّك ؟ فنظرت إليهما ، وتبسّمت ، وقلت : لمّا قال اللّه تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] قلت : بلى ، واعترفت بوحدانيته بلا واسطتكم ، فمن قد أجاب السّلطان مواجهة ، يجيب عن سؤال الغلام أيضا
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
[ الشعراء :
78 ] فتركاني ، وذهبا وقالا : هو بعد في سكر المحبّة .
رآه آخر في المنام ، وقال : أخبرني عن حالك ، قال : ليس الأمر كما تظنّون ، فإنّ جميع الأنبياء مع قربّهم وعلوّ قدرهم أطرقوا رؤوسهم منتظرين لحكم اللّه تعالى .
قال الحيري : رأيت الجنيد رحمه اللّه تعالى ، وقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال :
رحمني ، إذ طاشت تلك الإشارات ، وتلاشت تلك العبارات ، وما نفعني إلّا تلك الركعتان ، صلّيتهما قبل الصبح .
وكان الشّبليّ عند قبر الجنيد رحمه اللّه ، فسأله شخص عن مسألة ، فما أجاب ، وقال : أستحيي من الجنيد وهو تراب ، كما كنت أستحيي منه وهو بيننا « 1 » .
هامش
( 1 ) وكأني بقوله هذا ترجمة لبيت شعر ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد 3 / 278 من غير عزو : -