فأجاب المنصور وقال : اعمل بقولي ، فإنّ عملي لا ينفعك ، وتقصيري في العمل لا يضرّك « 1 » .
نقل أنه كان يعبر في بعض الليالي في بعض السّكك ، فسمع من يناجي ربّه ويقول : إلهي ، ما جرى عليّ ما كان لأجل أنّي قصدت مخالفتك ؛ ولكن أضلّتني نفسي ، وأغواني الشّيطان ، لا جرم وقعت فيما وقعت ، إن لم تمسك بيدي فمن يمسك بيدي ؟ وإن لم تعف عنّي ، فمن يعفو عنّي ؟ ومن ينجيني من عذابك وعقابك ؟ فإنّي قد سوّدت وجهي ، فكم أرجع إليك وأتوب وأعصي ! كان يذكر من هذا النوع ويبكي ، فقال المنصور : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] فلمّا أصبح اتّفق له عبور في ذلك الطريق ، فسمع بكاء في ذلك البيت ، فسأل من شيخ هناك عن الحال ، فقال : كان لي ابن يبكي البارحة من خوف اللّه تعالى ، فعبر شخص ، وأسمعه آية من القرآن ، فحين سمع مات في ساعته من خوف اللّه تعالى .
نقل أن هارون الرشيد سأل عن المنصور بن عمّار مسألة ، وأمهله ثلاثة أيام ، فقال : من أعلم الناس ؟ ومن أجهل الناس ؟ فخرج المنصور من مجلسه ، ثم رجع عن الطريق ، وقال : يا أمير المؤمنين ، أعلم الناس المطيع الخائف ، وأجهلهم العاصي الآمن .
ومن كلامه أنه قال : سبحان من جعل قلوب العارفين محلّ ذكره ، و [ قلوب ] الزاهدين موضع التوكّل ، وقلوب المتوكّلين منبع الرضا ، وقلوب الفقراء منزل القناعة ، وقلوب أهل الدنيا مقرّ حبّ جمع المال .
قال : الناس على قسمين : قسم عارف بنفسه « 2 » ، وقسم عارف باللّه . فالأول مشغول بالمجاهدة والرياضة ، والثاني بالعبادة والطلب .
هامش
( 1 ) كأنه ترجمة لبيت الخليل بن أحمد كما جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة 2 / 125 :اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي * ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري( 2 ) في ( أ ) : عارف نفسه .