تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
أولادك ، ونحن ماذا نفعل مع هذا الولد الصغير ، وهو يطلبك ولا يصبر عنك ؟ فاذهب به معك . فأخذه ، وخلع عنه ما كان عليه من الثياب النفيسة ، وغطّاه بقطعة خرقة نظيفة « 1 » غليظة ، وأراد أن يذهب به ، فما أطاقت أمّه تلك الحالة ، وخطفت الولد من يده ، وتوجّه أحمد إلى الصحراء والبادية ، وصبرت مدّة ، ثم في ليل بعد العشاء جاء رجل إلى الشيخ ، وقال : يقول أحمد ضاقت عليّ الحال ، فليصل إليّ الشيخ مستعجلا . فذهب إليه الشيخ ، فالتقاه في المقابر مضطجعا على التراب ، وانتهى إلى نفس ويحرّك لسانه ، فاستمع الشيخ ، فإذا هو يقول :
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
[ الصافات : 61 ] وانقطع نفسه ، فجاء الشيخ إلى المدينة باكيا ليجهّزه ، فالتقى ناسا كثيرا يطلعون من المدينة ، فسألهم عن خروجهم ، قالوا : سمعنا صوتا من السماء : من أراد أن يصلّي على وليّ خاصّ من أولياء اللّه تعالى فليحضر مقابر الشّونيزية . نفس الشيخ وكلماته كانت مؤثّرة في القلوب كما سمعت من قصّة أحمد ، وكم مثلها ! ولو لم يتربّ تربيته إلّا الجنيد لكفى . ومن كلامه أنه قال : يا جماعة الشباب ، اجتهدوا في العمل ، ولكم قوّة ونشاط فيه ، ولا تؤخّروا العمل إلى أوان الضعف والفتور في الشيخوخة ، وتصير حالكم كحالي . وحين قال هذا الكلام ما أطاق شابّ أن يعمل مثل ما يعمل . وكان يقول : إني أستغفر اللّه تعالى من ثلاثين سنة بسبب أنّي قلت مرّة : الحمد للّه . قيل : كيف ذلك ؟ قال : وقع في بغداد حريق ، فأخبرني رجل بأنّ حانوتك نجا من الحرق ، فقلت : الحمد للّه ، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت ، حيث أردت لنفسي خيرا ممّا للمسلمين . وقال : إن فات حرف من وردك فلا قضاء له . وقال : باعدوا أنفسكم عن جيران الأغنياء وأهل السوق وعلماء الأمراء - أي
هامش
( 1 ) قوله نظيفة ليست في ( ب ) .
تذكرة الأولياء — صفحة 358 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر