لا راكبا ، ووقف إلى آخر المجلس ، وجاء إليه اليوم الثالث ماشيا منفردا ، ولمّا تمّ المجلس تقدّم إلى الشيخ وقال : يا أستاذ ، قد أمسكني الكلام الذي سمعت منك في أوّل ما دخلت مجلسك اليوم الأول ، وأبغضت الدنيا ، وبردت على قلبي ، أريد أن أعتزل الناس ، وأترك الدنيا . والشيخ كان يحدّث في النصائح ، فما أطاقه الرجل ، وتوجّه إلى الصحراء ، ولم يعلم منه أثر ولا خبر إلى أيام ، فجاءت امرأة عجوزة باكية تنتف شعرها إلى الشيخ ، وقالت : يا إمام المسلمين ، لي ابن شابّ غضّ طريّ ، سمعت أنه جاء إلى مجلسك ضاحكا متبخترا فرحان ، وخرج باكيا منحنيا ذا أحزان ، ومن ذلك اليوم غاب عنّي ، ولا أعلم مكانه ، وقلبي يحترق من فراقه ، فكيف يكون حالي ؟ وإلى أيّ شيء يصير مآلي ؟ فمن غاية تضرّعها ترحّم عليها السريّ ، ورقّ لها قلبه ، وقال لها :
لا تتضجّري ، فإنه لا يكون إلّا خيرا ، إذا جاء إلينا فنحن نخبرك ، وأنه ترك الدنيا والأهل والعيال ، وتاب إلى اللّه تعالى . فبعد أيام جاء إلى الشيخ ليلا ، فقال الشيخ للخادم : لتخبر أمّه . فرأى الشيخ أحمد قد اصفرّ وجهه ، ونحل جسمه ، وانحنى ظهره ، فقال : يا شيخ ، كما أنت نقلتني من الظّلمات إلى النور ، وأنجيتني بتوفيق اللّه تعالى عن تلك الأحوال الدّنية ، وأوصلتني إلى المراتب السنية ، أراحك اللّه تعالى في الدّنيا والآخرة . وشكر اللّه تعالى كثيرا على نعمة الفقر وترك الدنيا ، وكان مشغولا بهذه الكلمات إذ دخلت أمّه مع جميع أهله وعياله ، وكان له ابن صغير جاؤوا به لديه ، ولمّا وقع نظر أمّه عليه ، ورأته في حال ما رأته في مثل تلك الحال أصلا ، عليه ثوب عتيق مقطّع ، ولونه متغيّر ، وشعره مغبرّ أشعث ، بكت وصاحت ، واعتنقته ، وشرعوا في التضرّع وفي البكاء ، وارتفع صياحهم بالأنين والبكاء ، واجتهدوا كثيرا ليذهبوا به إلى بيته ، فما قبل ، ولم ينفع أنينهم وبكاؤهم ، فقال : يا إمام المسلمين ، لم أخبرتهم ، وهم يشوّشون عليّ الحال ؟ قال الشيخ : جاءت إليّ أمّك ، وتضرّعت وجزعت ، وأنا وعدتها بأنك إذا حضرت لدي أخبرها بالحال . فأراد أحمد أن يعود إلى مكانه ، بكت امرأته وتعلّقت به ، وقالت : جعلتني أرملة في حياتك ، وأيتمت
تذكرة الأولياء — صفحة 357
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٥٧