فخطر ببالي أنّ عاقبتهم كيف تكون ؟ فقال السريّ : ما خطر على بالي أصلا أنّ لي فضلا على مخلوق . قلت : ولا على المخنثين ؟ قال : ولا عليهم .
وأيضا قال الجنيد رحمه اللّه : دخلت على السريّ ، فوجدته متغيّرا ، فسألته عن حاله ، قال : جاء إليّ شخص من الجنّ ، وسألني عن الحياء ، فذكرت جوابه « 1 » ، فصار الجنّيّ ماء كما ترى من الحياء .
نقل أنه كانت له أخت ، فطلبت أن تكنس بيته ، فما أذن لها ، وقال :
لا أضيع الوقت بكنس البيت . فدخلت أخته عليه يوما ، ورأت عجوزة تكنس بيته ، فقالت أخته : يا أخي ، ما تركتني أكنس البيت ، وجاءت أجنبية تكنسه ؟
قال السريّ : يا أختي ، لا يشتغل قلبك ؛ فإنّ هذه العجوزة هي الدنيا ، وهي قد احترقت من محبّتي وعشقي ، وصارت عنّي محرومة ، فطلبت من اللّه تعالى أن يكون لها نصيب منّي ، فأعطاها اللّه تعالى مكنسة تكنس بها بيتي ، وتقنع بهذا القدر .
أقول : إن اللّه تبارك وتعالى قادر على جميع الممكنات ، فاعل بالاختيار ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، وحينئذ لا غرو ولا بعد في أن يصوّر الدنيا بصورة عجوزة ، وبأيّ صورة يريد بحيث يراها الإنسان ، ويؤيّده ما روي أن عيسى عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوزة مخضوبة اليدين والرّجلين . فقال لها : من أنت ؟ قالت : أنا الدنيا . فقال عيسى عليه السلام : أبكر أنت ، أم ثيّب ؟
قالت : بل بكر . قال عيسى عليه السلام : كيف ذاك ؟ قالت : لأنّ الرّجال لم يلتفتوا إليّ وما حالفوني « 2 » ، والذي يعشقني ويخاطبني عنّين لا رجولية له ، فلذلك بقيت بكرا . قال عيسى عليه السلام : وما هذا الخضاب على يديك ورجليك ؟ قالت : من عشقني وابتلي بي قتلتهم ، وخضّبت بدمائهم يديّ ورجليّ كما ترى .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فتفكرت جوابه .
( 2 ) في الأصلين : وما خالفوني ، وأثبتّ ما يناسب المعنى ، أو العبارة : وخالفوني . بحذف ( ما ) .