من يكون في السّوق مشغولا بالحقّ ، غير غافل عنه طرفة عين .
نقل أنه كان يبيع ويشتري ، وليس له طمع في الربح إلّا لكلّ عشرة نصف درهم ، ولا يأخذ أكثر من ذلك ، وقد اشترى في بعض الأيام اللوز بستين دينارا ، وغلا سعره وارتقى إلى تسعين دينارا ، فجاء إليه الدّلال ، وأخبره عن السعر ، فقال : إنّي لا أبيع إلّا بثلاثة وستين دينارا ، ولا آخذ على كلّ عشرة إلّا نصف درهم . وقال الدلال : لا أبيع متاعك بالنقصان . وهو لم يرض بالزيادة ، ولم يبع .
وكان في الأول يبيع السّقط ، وهو ما في جوف الحيوان من الكرش والأمعاء وغيرها ، يقال لها بالفارسية سقط ، ولهذا نسب إليه « 1 » .
نقل أنه وقع حريق « 2 » في السوق ، فقال : الحمد للّه ، الآن فرغت . والحال أن دكانه لم يحترق ، فدخل الدكان ، وفرّق جميع ما كان فيه على الفقراء موافقة للأصحاب ، وتجرّد ، وسلك طريق التصوف كالرجال .
سئل عنه ابتداء حاله ، قال : مرّ بدكاني يوما حبيب الراعي ، فأعطيته شيئا ، وقلت : اصرفه على الفقراء . فقال : جزاك اللّه . فبردت الدنيا على قلبي إلى أن جاء إليّ معروف الكرخي يوما ، ومعه صبيّ يتيم ، فقال : اكس هذا اليتيم . قال السري : فكسوته ، ففرح به معروف ، وقال : بغّض اللّه إليك الدنيا ، وأراحك ممّا أنت فيه . فقمت من الحانوت ، وليس شيء أبغض إليّ من الدنيا ، وكلّ ما أنا فيه من بركات دعاء معروف ، ولم يبالغ أحد في المجاهدة والرياضة مثل مبالغته وسعيه واجتهاده .
قال الجنيد : ما رأيت أحدا أكمل في العبادة من السريّ ، مضى عليه ثمانون أو تسعون سنة ما اضطجع إلّا في مرض الموت .
هامش
( 1 ) قال ابن سعد في الأنساب 7 / 91 : السّقطي : هذه النسبة إلى بيع السّقط ، وهي الأشياء الخسيسة كالخرز والملاعق ، وخواتيم الشبه والحديد وغيرها .
( 2 ) في ( أ ) : وقعت نار .