و : لو لم يكن للعارف شيء ، فهو في النعمة .
وكان يأكل يوما من الأيام طعاما لذيذا ، فقيل له في ذلك ، فقال : أنا ضيف ، ما يطعموني أطعم .
وكان يقول يوما للنفس : اتركيني لتخلصي أنت .
استنصح منه رجل ، فقال : توكّل على اللّه ، ليكون أنيسك ، وهو مرجعك لتشتكي إليه ، فإنّ الخلائق كلّهم لا يقدرون أن يوصلوا إليك منفعة ، ولا يدفعون عنك مضرّة ، وإذا التمست شيئا فالتمس ممّن لديه جميع الدواء .
واستوصى منه شخص قال : احذر من أن يراك الحقّ ، وأنت لا تكون في زيّ المساكين .
أقول : ومن دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين » وما أعظم منزلة المسكنة ، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو اللّه تعالى أن يرزقه المسكنة في الحياة والممات ، ويحشره في زمرة المساكين ، حيث قال : « واحشرني في زمرة المساكين » « 1 » ولم يقل : واحشر المساكين في زمرتي . واللّه أعلم .
قال السري السقطي : أوصاني معروف ، وقال : قبل أن أموت اخلع قميصي ، وتصدّق به على فقير ؛ فإنّي أريد أن أخرج من الدنيا بلا شيء عاريا كما أنّي دخلتها كذلك .
نقل أنه رحمه اللّه كان صائما ، واتّفق له مرور بالسوق مع جماعة من أصحابه ، فاستقبله سقّاء وهو يقول : رحم اللّه من شرب . فأخذ الشيخ وشرب ، فقيل : أما كنت صائما ؟ ! قال : نعم ، ولكن رجوت الرحمة ببركة دعائه .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 2352 ) في الزهد ، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 7 / 111 ، وابن ماجة ( 4126 ) في الزهد ، باب مجالسة الفقراء ، والبيهقي في سننه 7 / 12 في الصدقات ، باب ما يستدل به على أن الفقير أمس حاجة من المسكين ، وشعب الإيمان 2 / 167 ، 7 / 340 .