ولكنّ الورود على اللّه صعب « 1 » ، والقدوم عليه شديد ، ليت هذا السفر يحصل لنا بعصا وكوز ماء . ولذا كان إذا ذكر الموت ، أو سمع ذكره يغشى عليه أياما ، ويقول لمن يلتقي به : استعدّ للموت قبل نزوله . وأصحابه كانوا يقولون له وقت وفاته : طوبى لك . وهو يهزّ رأسه ، ويقول : أين أنتم ؟ وماذا تقولون ؟ أنا ! متى أصل إلى الجنة ؟ وهي ! متى تصل إلي ؟
أقول : مراده تحقير أعماله ، وأنّها ما صدرت عنه على وجه تكون مقبولة عند اللّه تعالى ، واستعظامه أيضا أمور الآخرة وأحوالها ، لا أنّه كان آيسا من رحمة اللّه تعالى ، فحاشاه من ذلك ، فإن قلت : أليس يستحبّ حينئذ حسن الظنّ باللّه تعالى ؟ قلت : نعم ، ولكنّ هذا لا يدلّ على أنه في نفسه لم يكن حسن الظنّ به ، غايته أن الخوف كان غالبا عليه ، وهذا من كمال الإيمان باللّه وصفاته ، فإنّ من يكون عرف أنّه باللّه وباليوم الآخر أكثر ، فهو أخوف وأفزع ، واللّه أعلم .
روي أن الخليفة قصد أن يولّيه إمارة البصرة ، فطلبوه لأجل ذلك ، فوجدوه في إصطبل ، لما كان به من علّة البطن ، ومع ذلك ما ترك العبادة ، ولم يسترح ، حتى قيل إنه في ذلك المرض توضّأ في ليلة ستين نوبة ، كلّما كان يتوضّأ ويريد أن يشتغل بالعبادة بطنه يتقاضاه ويحتاج إلى الوضوء .
قيل له : يا شيخ ، كم تتوضّأ ، وأنت ضعيف ؟ ! قال : لأن يلقاني عزرائيل وأكون على الوضوء متطهّرا لا نجسا ، إذ مع النجاسة لا يكون التوجّه إلى اللّه تعالى ميمونا .
قال عبد اللّه بن المهدي : أوصاني سفيان وقال : إذا دفنتموني أرجو منكم أن تضعوا خدّي على التراب ؛ لعلّ اللّه يرحم ذلّي وفقري . ثم قال : الآن حطّوا وجهي على التراب ؛ فإنّ أجلي قريب .
قال الراوي : فعلت ما رسم ، وخرجت لأعلم الناس والأصحاب ، وجدتهم اجتمعوا والتأموا هناك ، قلت : من أخبركم بالحال ؟ قالوا : كنّا نياما ، فرأينا في
هامش
( 1 ) في ( أ ) : ولكن المرور على اللّه صعب .