قيل : كان يجيء يوما إلى سفيان الثوري رحمه اللّه ، فقال سفيان : تعال يا رجل المشرق . وكان الفضيل حاضرا فقال : والمغرب وما بينهما أيضا .
حكي أنّ ابتداء سبب توبته أنه كان عاشقا على جارية ، وهي قد سلبته العقل والقرار إلى أن جاء إلى تحت حائط بيتها في ليلة شاتية باردة ، وهي كانت على السطح يشاهدها وتشاهده إلى أن أذّن المؤذن للصّبح ، وفي ظنّه أنه للعشاء ، فلمّا انكشف الفجر ، علم أنّه لصلاة الصبح ، وأنه كان مستغرقا في مشاهدة معشوقته الجارية ، فتنبّه وانتبه ، وندم على ما فعل ، وقال في نفسه : أما تستحيي يا بن المبارك من أن أحييت ليلة إلى الصباح في هوى النفس ؟ وكنت قائما واقفا على الأقدام لا تدري الرأس من القدم ! وإن أطال الإمام نوبة في الصلاة يحصل لك ضجر وسآمة ، ولا تقدر أن تقوم للّه في عبادته لحظة ، أهكذا يفعل الكرام ؟
أهكذا تحفظ الذمام « 1 » ؟ وحصل في قلبه قلق واضطراب وحرقة ، وتاب من ساعته ، واشتغل بطلب العلم ، وترقّى ووصل إلى درجة من الكمال حتّى رأته أمّه نائما في البستان ، وعنده حيّة عظيمة ، أمسكت بفمها ورقة ريحان تروّحه بها .
ثم رحل من مرو إلى بغداد ، وسكن بها مدة ، وكان يصحب المشايخ ، ثم سافر إلى مكّة شرّفها اللّه تعالى ، وسكن هناك ما شاء اللّه تعالى ، ثم رجع وتوجّه إلى مرو ، وهي من مدن خراسان ، واعتقده الخلائق فيها ، واشتغل بإفادة الناس والدرس ، وكان أهل مرو فريقين : بعضهم على طريقة أهل الحديث ، وهم أصحاب الشافعي رضي اللّه عنه ، وبعضهم على مذهب أهل الرأي على مذهب أبي حنيفة « 2 » رضي اللّه عنه ، وهو عاشر الفريقين بحيث أنّهما رضيا عنه ، وسمّي رضيّ الفريقين لغاية موافقته لهما ، وكلّ من الفريقين يدّعي : أنّه منّا . وهو بنى في مرو زاويتين : إحداهما لأهل الحديث ، والأخرى لأهل أرباب الرأي « 3 »
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أهكذا تخفر الذمام .
( 2 ) في ( أ ) : على طريقة أهل الرأي .
( 3 ) في ( أ ) : والأخرى لأصحاب الرأي .