قيل : كيف كانت أحوالك بعد تلك المجاهدات ؟ قال : طلّقت الدنيا ثلاثا ، ثم وقعت في الحضرة مجرّدا ، وقلت : إلهي ، ما لي أحد غيرك ؛ ولكن إذا كنت لي فالكلّ لي ، وكان صدقي بالإخلاص ، فأول ما فعل بي أن رفع من عيني قذى النفس .
قال : إنّ اللّه تعالى أمر ونهى ، فامتثل طائفة أمره ونهيه ، فشرّفهم بتشريفات ، فاشتغلوا بالتشريفات ، وأما أنا فما طلبت منه إلّا إياه .
قال : ذكرته مقدار ذكر الخلائق كلّهم ، حتى صار ذكري ذكره ، ثم سعيت إلى معرفته فأفنتني ، ثم سعيت إلى معرفته ثانيا فأحيتني .
قال : ظننت أنّي أحبّه ، فإذا محبّته إيّاي كانت أسبق .
قال : غرقت الخلائق في بحر العلم ، وأنا غرقت في بحر اللّه تعالى . يعني :
نظر الخلائق إلى رياضاتهم ، ونظري إلى عناية الحقّ .
قال : أخذ الناس العلم من الأموات ، وأنا أخذته من الحيّ الذي لا يموت .
الناس يقولون بالحقّ ، وأنا أقول من الحقّ .
قال : دعوت النفس إلى الحقّ ، فما أجابتني ، ثم تركتها وتوجّهت إليه وحدي .
قال : نقل قلبي إلى ملكوت السماوات ، فسار فيها ورجع ، فقلت : وبماذا رجعت ؟ قال : بالمحبة والرضا .
قال : أردت أن أعرف أشدّ عقوبة على نفسي ، فما وجدت أشدّ من الغفلة ، فإنّه لا تعمل نار جهنّم مع الرجال ما تعمل ذرّة من الغفلة .
قال : كم سنين أصلّي ، واعتقادي في كلّ طرفة عين أنّي مشرك ، أقطع الزّنّار من وسطي .
قال : حال النساء أحسن من حالنا ؛ لأنّهنّ يغتسلن « 1 » في كلّ شهر مرة ، ونحن لا نغتسل في العمر مرة .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أحسن من أحوالنا ؛ فإنهنّ يغتسلن .