التجريد والتفريد والتوحيد ، فلساني من لطف صمدانيته ، وقلبي من نور ربّانيته ، وعيني من صنع حكمته بمدده .
أقول : وبقوّته أبطش ، وبه أحيا وبه أموت ، فلا أحدّث من غيره لأكون محدّثا ، ولا من نفسي لأكون كاذبا ، فهو يدير لساني في فمي بما يريد ، وأنا في الوسط كالترجمان ، والمتكلّم في الحقيقة هو لا أنا .
ثم قال : يا أبا يزيد ، الخلائق يريدون أن يروك . قلت : أنا لا أريد أن أراهم ؛ ولكن لا أخالف إرادتك ورضاءك ، فزيّنّي بوحدانيتك ، وأرني إيّاهم ، حتى الخلق إذا رأوني رأوا صنعك ، فكأنّهم رأوا الصانع ، وأنا لا أكون في الوسط . فلمّا خطوت قدما من الحضرة إلى الخلق سقطت في القدم الثاني ، فسمعت مناديا يقول : ارجعوا حبيبي ، فإنّه لا يطيق إلّا بي ، ولا يهتدي إلّا بي .
ثم رجعت ووصلت إلى أول مقام التوحيد ، فسعيت في « 1 » ذلك الوادي سنين بقدم الأوهام حتى صرت طيرا عينه من الوحدانية ، وجناحه من الديمومية ، كنت أطير في هواء بلا كيف ، ولمّا غبت من المخلوقات ، وصلت إلى الخالق ، وأطلعت رأسي من وادي الديمومية ، وتجرّعت كأسا ، فعطشت حتى لا أرتوي إلى الأبد ، ثم طرت ثلاثين ألف سنة في فضاء وحدانيته ، وثلاثين ألف سنة في ألوهيّته ، وثلاثين ألف سنة في فردانيته ، فلمّا عبر سبعون ألف سنة خرجت من جلدي « 2 » ، ورأيت أبا يزيد ، ثم قطعت أربعة آلاف بادية ، وانتهيت إلى المقصود ، ثم نظرت ، فإذا أنا في بداية درجة الأنبياء عليهم السلام ، سعيت إلى العالم الغير المتناهية « 3 » حتى ظننت أنّه ما سبقني أحد في هذا العالم ، فرأيت تحت رأسي قدم نبيّ من الأنبياء ، فسلّمت أن : نهاية حال الأولياء بداية حال الأنبياء ، ولا نهاية لأحوال الأنبياء .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فسمعت في ذلك الوادي .
( 2 ) في ( أ ) : فلمّا عبر تسعون سنون خرجت من جلدي .
( 3 ) في ( أ ) : سعيت إلى عالم الغير المنتهي .