سعيد ، قال له الراعي : ماذا تشتهي ؟ قال : الخبز الحارّ ، والعنب . وكان بيده قضيب ، فكسره نصفين ، وغرز أحد الشقّين عنده ، والشقّ الآخر عند سعيد ، فصار في الحال شجرتان « 1 » للكرم ، وأثمرت التي عند الراعي عنبا أبيض ، والتي عند سعيد عنبا أسود ، فقال سعيد : لم صار ما عندي أسود ، وما عندك أبيض ؟ قال الراعي : لأنّي سألت على يقين ، وأنت سألت على طريق الامتحان ، فصار مقصود كلّ لائقا بحاله . فحين أراد سعيد الرجوع ، أعطاه الراعي كساء ، وقال : احفظه لئلا يضيع . ثم بعد مدّة قصد سعيد زيارة الكعبة المعظّمة ، فضاع الكساء عنه في عرفات ، فاتّفق أنه جاء إلى بسطام ، وذهب إلى الراعي ، فوجد الكساء عنده .
نقل أنه قيل لأبي يزيد : من شيخك ومرشدك ؟ قال : امرأة عجوزة . قيل :
كيف ذلك ؟ قال : خرجت من البيت يوما في غلبات الوجد والشوق ، ودخلت الصحراء ، فإذا أنا بعجوزة معها جراب فيه دقيق ، وأمرتني بحمل الجراب ، وكنت في حالة لم تكن لي قدرة على ذلك ، فأشرت إلى أسد ، فحمل جرابها ، ووصّيتها أن لا تخبر عن الحال في المدينة ، ولا تقول من رأت ، وكنت لا أريد أن يعرفني أحد . فقالت العجوزة : وماذا تقول ! فإني قد رأيت ظالما معجبا .
فقال الشيخ : وما هذا الكلام ؟ قالت العجوزة : هل هذا السبع مكلّف ؟ قال :
لا . قالت : فإن اللّه تعالى رفع عنه التكليف والتحميل ، وأنت حمّلته ، أفلا تكون ظالما ؟ ! قال الشيخ : بلى . قالت العجوزة : ومع هذا تريد وتشتهي أن يعلمك أهل المدينة ، ويطّلعون على أنّ الأسد في طوعك ورضاك ، وأنت صاحب كرامات ، أفلا يكون هذا عجبا ؟ قال الشيخ : بلى . ورجع عمّا كان عليه ، ورأى نفسه منزّلة من الأعلى إلى الأسفل ، قال : وصرت بحيث إذا كان تظهر عليّ كرامات ، كنت أرجو من اللّه تعالى أن يكشف عليّ تصديق ذلك ، فكان يظهر نور عليه ، مكتوب بخطّ أخضر : لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه ، نوح نجيّ اللّه ، إبراهيم خليل اللّه ، موسى كليم اللّه ، عيسى روح اللّه ، فكنت أعلم
هامش
( 1 ) كذا الأصلين .