موافق أم مخالف ؟ قال : بل موافق . قال ذو النون : فلم هذه المحبة ؟ قال الأعرابي : ألم تعلم بأنّ الموافقة والقرب أصعب وأشدّ من البعد والمخالفة ألف مرة !
نقل أنه قال : سألت في بعض أسفاري امرأة عن غاية المحبّة ، فقالت :
يا بطّال ، هل للجنّة غاية ؟ قلت : وما معنى هذا الكلام ؟ قالت : لأنّ لطف المحبوب لا غاية له .
قيل : إنّه كان مريضا ، فعاده شخص ، وقال له : ألم الحبيب طيّب . فتغيّر ذو النون من ذلك ، وقال : لو عرفته لما ذكرته بهذه السهولة .
نقل أنه كتب إلى بعض إخوانه : سترنا اللّه وإيّاك بستر الجهل « 1 » ، وجعلنا وإيّاك في ذلك الستر شغولا « 2 » بتحصيل مرضاته ، إذ له كثير من الأولياء في زيّ الأعداء .
أقول : وفائدته أن تكون مستورا من الأغيار ، محفوظا من الاشتهار ؛ فإنّ الشهرة سبب للعجب ، روي عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال : الخمولة نعمة ، وكلّ يتوقّاها ، والشهرة آفة وكلّ يتولّاها [ واللّه أعلم ] .
نقل أنه قال : كنت سائرا في بعض الأسفار ، وكان في يوم من أيام الشتاء ، فوافيت شخصا مجوسيّا مغطي على رأسه بغطاء للبرد ، وهو يدور على الثلج ، ويفرّق الأرزن ، قلت له : ماذا تفعل يا فلاح ؟ قال : الطيور في مثل هذا اليوم لا تجد حبّات تلتقطها ، وإنّي أزرع لهم هذا البذر ، لعلّه ينبت ، وأنتفع به يوما ، ويرحمني اللّه بسببه . قلت : أنت أجنبيّ ، والبذر الذي يزرعه الأجنبيّ لا ينبت ولا يستغلّ منه . قال : فإن لم يقبل منّي ، فإنه يراني ويرى ما أصنع ؟ قلت :
نعم . قال : حسبي هذا . قال ذو النون : ذهبت إلى مكّة شرّفها اللّه تعالى حاجّا ، فرأيت ذلك المجوسيّ عاشقا هائما في الطواف ، فلمّا رآني قال لي : يا أبا
هامش
( 1 ) في ( أ ) : بستر الجميل .
( 2 ) في ب : مشغولا .