تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
روي أنه لما ترقّى أمره وعظم شأنه « 1 » ، وحسده بعض الناس ، وسعوا به إلى المتوكّل « 2 » ، فاستحضره المتوكّل إلى بغداد ، فلمّا وصل إلى باب الخليفة ، قال : تعلّمت الإسلام في الطريق من عجوزة ، والفتوّة من سقاء . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لمّا رأيت حشمة الخليفة ، وكثرة الحجّاب والغلمان على باب الخليفة كدت أن أتغيّر ، قالت عجوزة : انظروا إلى هذا الشخص ، فإنّه يذهب إلى الحبس ، والحال أنّه والذي أمر بحبسه عبدان ومملوكان لسيّد واحد جلّ جلاله وعزّ شأنه ، فإن لم يؤلمه اللّه لا يقدر أحد على أن يؤلمه ، وأيضا استقبلني سقّاء ، وناولني شربة ماء ، وأنا أشرت إلى صاحب لي بإعطاء شيء ، فلم يقبل السقاء ، وقال : هو أسير محبوس مقيّد ، وليس من الفتوة أخذ شيء منه . ثم برز مرسوم الخليفة ليحبس ، فبقي في الحبس أربعين يوما ، وكانت أخت بشر الحافي ترسل له كلّ يوم رغيفا ، تذهب به إلى باب الحبس ، وتعطي البوّاب ليوصله إليه ، فلمّا طلع من الحبس كان هنالك أربعون رغيفا ، إذ ما أكل شيئا ، فقيل : إنّ أخت بشر لم تبعث إليك إلّا وجها حلالا ؟ قال : نعم ، ولكن وصل إليّ على يد ليست نظيفة - يعني يد السجان . قيل : حين خرج من السجن سقط على وجهه ، وانكسرت جبهته ، وجرى الدم ، وما تلطّخ به وجهه ولا ثيابه ، ولا رأوا على الأرض أيضا منه قطرة ، فأدخلوه على الخليفة ، وهو سأل منه جواب مسائل استشكلها المفسّرون ، فشرع في الشرح ، ووعظ الخليفة ، حتى بكى ، وردّه مكرما معزّزا ، وتعجّب الحاضرون من فصاحته وبلاغته . واللّه أعلم « 3 » نقل أنه رأى أعرابيا في الطواف ضعيفا نحيفا ، يبس جلده على عظمه ، فقال له : أمحبّ أنت ؟ قال : نعم . قال : حبيبك قريب أم بعيد ؟ قال : قريب . قال :
هامش
( 1 ) في ( ب ) : وعظم شغله . ( 2 ) المتوكل : جعفر بن محمد ( المعتصم باللّه ) بن هارون الرشيد ، أبو الفضل ( 206 - 247 ) تولّى الخلافة العباسية سنة 232 ه . ( 3 ) قوله : واللّه أعلم من ( أ ) فقط .