سفينة ، فركبت معهم ، فبعد زمان ضاع لتاجر في السفينة درّة ، وكانوا يفتّشون الناس واحدا واحدا ، حتى اتّفق الكلّ أنها عندي ، وشرعوا يؤذونني ويحقّرونني ويستخفّون بي ، وأنا كنت ساكتا صامتا إلى أن جاوزوا الأمر من الحدّ ، فنظرت في البحر ، فإذا ألوف من السمك أطلعت رؤوسها من البحر ، وفي فم كلّ واحد منها درّة ، قال ذو النون : فأخذت واحدة منها ، وأعطيتها التاجر ، وأهل السفينة شرعوا في الاعتذار وعظّموه ، ولذلك سمّي ذا النون .
حكي أنّه كانت له أخت ، صارت من بركته إلى أنها يوما قرأت هذه الآية :
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
[ البقرة : 57 ] ونظرت إلى السماء وقالت : إلهي ، أنزلت على بني إسرائيل المنّ والسلوى ، وما أنزلت على أمّة محمد عليه الصلاة والسلام ، بعزّتك يا ربّ لا أقعد من القيام حتى تنزل عليّ من المنّ والسلوى . فأنزل اللّه تعالى عليها المنّ والسلوى من الرّوزنة « 1 » ، فخرجت من البيت ، ودخلت البادية ، وما رأوها بعد ذلك .
نقل أنه قال : كنت أسير في الجبل ، فرأيت هناك جماعة ابتلاهم اللّه تعالى ببليّات ، فقلت لهم : وما أصابكم ؟ ولم اجتمعتم هنا ؟ قالوا : هنا شيخ في صومعة ، يطلع منها في كلّ سنة مرّة ، ويدعو لهؤلاء المضطرّين ، ويشفيهم اللّه تعالى ببركة دعائه ، ثم يدخل الصومعة إلى سنة أخرى ، قال ذو النون : فصبرت هناك حتى طلع ، فرأيت شخصا مصفرّ اللون ضعيفا ، غارت عيناه ، فوقعت من هيبته رجفة على الجبل ، ونظر إلى هؤلاء ، ثم نظر إلى السماء ، فشفاهم اللّه تعالى في الساعة ، فأراد أن يدخل للصومعة ، فتعلّقت بذيله ، وقلت له : للّه تعالى عالجت العلّة الظاهرة ، فعالج العلّة الباطنة . فنظر إليّ ، وقال : يا ذا النون ، اترك ذيلي ؛ فإنّ الحبيب ينظر إليك من أوج العظمة والجلال ، ويعلم أنّك تعلّقت بغيره ، ثم يتركك إلى ذلك الشخص ، ويتركه لك ، ويهلككما جميعا . فقال هذا ودخل الصومعة .
هامش
( 1 ) الرّوزنة : الكوة النافذة ، الخرق بأعلى السقف ، جمع روازن . متن اللغة ( رزن ) .