حبّات السمسم حتى شبع ، وشرب من ماء الورد ، وطار إلى مكانه من الغصن ، واختفت القصعتان في الأرض ، فحصل لي حالة عظيمة ، وتحقّقت توبتي ، ووصلت من التوكّل إلى الغاية القصوى .
نقل أنه ذهب مع جماعة ، فوصلوا خربة ، فدخلوا فيها ، رأوا هنالك بمسوّفة « 1 » مملوءة من الذهب والجواهر النفيسة ، وعلى رأسها لوح من الخشب مكتوب عليه ( اللّه ) ، فلمّا رأوا ذلك اشتغل أصحابه بقسمة المال ، وهو أخذ اللوح ، وقال : عليه اسم الحبيب . فجعل يعزّزه ويكرمه ويقبّله ، ولم يحصل له ميل إلى الذهب والفضة لصدق توبته ، وتمام عزيمته ، فرأى في تلك الليلة في المنام كأن قائلا يقول له : يا ذا النون ، اشتغل كلّ من أصحابك بالذهب والجواهر ورغب فيهما ، وأنت اكتفيت باسمي المكتوب على ذلك اللوح ، لا جرم فتحنا عليك أبواب علم الحقائق وكشف الدقائق .
قال : كنت سائرا جنب ساقية أو نهر ، انتهيت إلى منظرة عالية هناك ، فتوضّأت ورجعت ، فوقع نظري على المنظرة ، فرأيت فيها جارية في غاية الحسن والجمال ، أردت امتحانها ، فقلت : لمن أنت يا جارية ؟ قالت : يا ذا النون ، لمّا رأيتك بادي الرأي ظننتك مجنونا ، فلمّا صرت قربنا « 2 » ظننتك عالما ، ثم لمّا صرت أقرب ظننتك عارفا ، والآن تبيّن الحال ، وانكشف الأمر فما أنت بمجنون ولا عالم ولا عارف . قلت : كيف هذا الشأن ؟ قالت : فلو كنت مجنونا لما توضّأت ، ولو كنت عالما لما نظرت إلى غير محرمك ، ولو كنت عارفا لما نظرت إلى غير اللّه ، ولما التفتّ إلى ما سوى الحقّ جلّ وعلا .
قالت هذا الكلام وغابت عن النظر ، علمت أنّها ما كانت من البشر ، فوقع في قلبي حريق ، وسرت إلى ساحل البحر ، وصادفت جماعة يريدون ركوب
هامش
( 1 ) المسوّفة : البئر ، التي يقال : سوف يوجد فيها الماء . وظني أنها : مسوفة : أي زنبيل سفّ ( نسج ) من الخوص .
( 2 ) في ( ب ) : يا ذا النون ، فلمّا رأيتك بادي الرأي ظننتك مجنونا ، فلمّا صرت قريبا ظنتك مجنونا ، فلمّا صرت قربنا .