شخص منهم : يا أبا نصر ، أنت لا تقبل من الناس شيئا ، وهذا أيضا من الجاه ، فإن كنت محقّقا في هذا الزهد فاقبل منهم حتى لا يبقى لك في أعينهم مهابة ، ولا عندهم حشمة ووقار ، وما تأخذه منهم فاصرفه في الفقراء والمساكين ، وأنت على توكّلك يصل إليك رزقك من الغيب . فعظم هذا الكلام على الحاضرين ، فقال بشر : اسمعوا الجواب ؛ إنّ الفقراء على ثلاثة أقسام :
قسم : لا يسألون الناس ، ولا يقبلون منهم ، وإن أعطوا ، وهذا القوم هم الروحانيون ، الذين إن سألوا اللّه أعطاهم ، وإن أقسموا على اللّه لأبرّهم .
وقسم آخر منهم : لا يسألون أحدا ، ولكن لا يردّون ما يعطيهم الناس ، وهم المتوسّطون ، الذين يسكنون على التوكّل على اللّه تعالى ، وهم الذين يقعدون على موائد الخلد في حظائر القدس ، وهم يحفظون أوقاتهم ما يقدرون .
وقسم آخر منهم : يصبرون ، ويدفعون عن أنفسهم الدواعي ، ويغتنمون نفائس الأوقات .
فلمّا سمع ذلك السائل هذا الجواب ، قال : رضيت بهذا الكلام ، رضي اللّه عنك .
قال بشر : وصلت إلى عليّ الجرجاني رحمه اللّه عند عين ماء ، فلمّا رآني قال : وما ذنبي اليوم ألتقي بإنسان ؟ ! وهرب ، فسعيت خلفه « 1 » ووراءه ، وقلت :
وصّني . فقال : لازم الفقر ، وعش بالصبر ، وخالف الهوى والشهوة ، واجعل اليوم بيتك أخلى من القبر حتى إذا وضعت في القبر تكون مرفّها ، وتصل إلى اللّه تعالى بسهولة .
نقل أنه جاء إليه طائفة من الشام ، وقالوا : نريد الحجّ ، فهل لك رغبة في أن توافقنا وترافقنا ؟ قال : نعم ، بثلاثة شروط : أن لا نحمل معنا شيئا ، وأن لا نسأل شيئا من أحد ، وأن لا نقبل من أحد شيئا . قالوا : أما أنه لا نحمل
هامش
( 1 ) من قوله : ( فلما رآني . . خلفه ) ليست في ( ب ) .