تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
نقل أنه قال : كنت في بعض الأيام في مسجد بيت المقدس ، ولففت نفسي في بارية « 1 » ، واختفيت في زاوية من المسجد خوفا من أن يخرجني المؤذّن ، لأنّهم ما كانوا يتركون شخصا يبيت فيه ، فلمّا مضى قليل من الليل ، انفتح الباب ، ودخل جماعة لابسون الكساءات ، وتقدّمهم شيخ ، وهو أيضا لابس كساء ، فعبر إلى المحراب ، وصلّى ركعتين ، ثم استدبر القبلة واستقبلهم ، فقال واحد منهم : في المسجد الليلة شخص هو ليس منّا . فتبسّم الشيخ وقال : نعم ، هو إبراهيم بن أدهم ، وما وجد حلاوة العبادة منذ أربعين يوما . فلمّا سمعت هذا الحديث ، طلعت من البارية ، وذهبت إليهم ، وسلّمت عليهم ، وقلت : علامة صحيحة ، وما سبب ذلك ؟ قال : لأنّك اشتريت في البصرة تمرا في اليوم الفلاني ، ووجدت تمرة بين تمرك الذي اشتريت من تمر البائع ، وظننت أنّها لك من جملة تمرك . قال : فذهبت إلى البصرة ، واستحللت التمرة من ذلك البائع ، وتاب ذلك الرجل من بيع التمر ، وترك الدّكان والمعاملة ، واشتغل بعبادة اللّه تعالى ، وصار من الأبدال . نقل أنه كان في صحراء ، فاستقبله شخص من الأجناد ، وقال : من أنت ؟ قال : عبد . قال : العمارة في أيّ ناحية ؟ فأشار إلى المقابر ، فاغتاظ الجنديّ وقال : تهزأ بي . وأخذ يضربه بالمقرعة حتى شجّ رأسه ، والدم يجري ، ثم قلّد في رقبته حبلا يجرّه إلى المدينة ، فاستقبله جماعة من أهل المدينة ، وذمّوا الجنديّ ووبّخوه ، وقالوا : يا جاهل ، أما تعرفه ! ؟ هذا هو إبراهيم بن أدهم أحد أولياء اللّه تعالى ، والناس طلعوا من المدينة استقبالا له . فندم الجنديّ ، وأخذ يعتذر ، ويقبّل يديه ورجليه ، ويتمرّغ على التراب لديه ، وقال : يا شيخ ، لمّا سألت من أنت ، قلت عبد . قال إبراهيم : من الذي ليس بعبد . قال : لمّا كسرت رأسك ، كنت تدعو لي بالرّحمة ؟ قال إبراهيم : نعم ، لأنّك بالتعدّي عليّ صرت سببا لأن يرحمني اللّه ، وأنا أيضا دعوت اللّه تعالى ليرحمك ، لئلا تضيع
هامش
( 1 ) في بارية : في حصيرة .
تذكرة الأولياء — صفحة 147 | فريد الدين العطار النيسابوري / محمد أديب الجادر