بعض الأيام : وهو يتعوّق « 1 » ، نحن نتعشّى ولا نترك له شيئا ؛ حتى يجيء بعد اليوم بالعجلة ولا يتأخّر . فتعشّوا ، وما أبقوا له شيئا ، فلمّا جاء صادف أصحابه نياما ، توهّم أنهم ما طعموا شيئا ، وكان معه قليل من الطحين ، فأشعل نارا ، وأراد أن يطبخ لهم شيئا يطعمونه ليكون لهم قوّة على الصوم ، فانتبهوا ورأوه مشغولا بإشعال النار ، وعيناه دامعة ، وهو ينفخ ويتعب نفسه ، قالوا : ماذا تعمل يا شيخ ؟ قال : أطبخ لكم طعاما تأكلونه . فقالوا : سبحان اللّه ، نحن ماذا فعلنا معه حيث أكلنا ، ولم نبق له ، وهو ماذا يفعل معنا ! ؟
نقل أنّ من أراد الصحبة معه ، كان يشترط عليه أمورا ثلاثة ، الأول يخدمه هو لا الرفيق ، وأن يكون المؤذن هو ، وإن حصل له شيء يكون بينهما .
نقل أن شخصا ذا عيال كان يذهب إلى بيته مساء ، ولم يحصل له شيء ينفق عليه وعلى أهله وعياله ، وكان مغموما محزونا ، فمرّ في طريقه بإبراهيم رحمه اللّه ، فالتقاه فارغ الخاطر ، رخيّ البال ، فقال له ذلك الشخص : طوبى لك يا إبراهيم ، إذ ليس لك همّ ولا حزن . فقال إبراهيم : ما عملت من الطاعات والعبادات والحجّ أعطيك وأعطني أنت مالك من الحزن .
ونقل أنّه صاحبه شخص مدّة ، ثم عند الارتحال قال له : يا شيخ ، أخبرني بما رأيت فيّ من العيب . قال له الشيخ : ما رأيت فيك شيئا من العيب ؛ لأنّي نظرت فيك بنظر الصداقة لا بنظر العداوة ، فما وجدت فيك عيبا ؛ بل ما رأيت منك أعجبني كلّه .
سأل منه المعتصم : يا شيخ ، هل تعرف صنعة ؟ قال : نعم ، تركت الدنيا لطالبها ، والعقبى لطالب العقبى ، واخترت في الدّنيا ذكر اللّه تعالى ، وفي الآخرة لقاءه .
وسأل منه آخر عن صنعته ، قال : ألا تعرف أن من يعمل للّه تعالى لا يحتاج إلى صنعة .
هامش
( 1 ) وهو يتعوّق : وهو يتأخّر .