وقال : لا يبلغ أحد نهاية صفات الرجال بالصلاة والصيام والجهاد والحجّ ، ولكن يبلغ بأن يريق في حلقه الحلال .
قيل له : هنا شابّ صاحب وجد ، وله حالة عظيمة ، ورياضة كثيرة . قال :
اذهبوا بي إليه لأستكشف عن أحواله . فذهب إليه ، ووقف عنده ثلاثة أيام ، وراقب أحواله ، فكانت أزيد ممّا سمعه وعلمه ، كان لا ينام بالليل ، ولا يستريح لحظة ، فحصل لإبراهيم غيرة ، لأنه لا ينام لحظة من الليل ، ولنا فتور ، ولكن قال : استكشف من حاله ، هل للشيطان فيه مدخل أم لا ، أم كلّها إخلاص ؟
فتفحّص من أساس هذا الشأن ، وهو اللّقمة ، فوجدها من الحلال ، قال :
سبحان اللّه ، هذا ليس من الشيطان . ثم قال له الشيخ : يا فتى ، كنت ضيفك ثلاثة أيام ، أنت أيضا شرّفنا « 1 » أياما . وأتى به إلى منزله ، وأطعمه من طعامه الذي يطعم ، فقلّت حالاته وشوقه ، ولم يبق من عشقه أثر ، وزالت حرارته وحدّته وسهره وبكاؤه ، فقال لإبراهيم : ما صنعت معي ؟ قال إبراهيم رضي اللّه عنه : طعامك ما كان من وجه حلال ، والشيطان كان يدخل فيك ، وينزل في جوفك مع الطعام ، وكان يريك ما كنت فيه « 2 » ، ولمّا أكلت الحلال ، واستنار باطنك ، وضاق مدخله ، هرب منك .
قيل إنه قال لسفيان : إنك محتاج إلى قليل من اليقين ، وإن كان لك علم كثير .
وأيضا قال له : من عرف ما يطلبه هان عليه ما يجده .
نقل أنه قال له شقيق البلخي : يا شيخ ، لم تفرّ عن الخلق ؟ قال : أخذت ديني ، وأفرّ من مدينة إلى مدينة ، ومن جبل إلى جبل ، من رآني يظنّ أنّي مجنون أو صاحب وسواس ، ولا أفعل ذلك إلّا رجاء أن يسلم إيماني من الشيطان ، وأعبر مع الإيمان عن باب الموت .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أنت شرفتنا .
( 2 ) في ( أ ) : وكان يريد ما كنت فيه .