فصاح عليه ، وقال : من أنت ؟ قال شخص من السقف « 1 » : إنّي رجل قد ضاع لي جمل ، فأطلبه . قال إبراهيم : يا جاهل ، كيف تطلب البعير على السقف ؟ قال الشخص : يا غافل ، وأنت كيف تطلب اللّه تعالى على السرير ، وفي الفراش الحرير ؟ فهابه ذلك « 2 » الكلام ، ووقع في قلبه حريق ، وما نام باقي الليلة ، فلمّا أصبح جلس على سريره متفكّرا متحيّرا ، واجتمع عليه أركان دولته ، وجلس كلّ في مكانه ، واطمأنّ المجلس بهم ، وقام الغلمان والمماليك صفوفا بين يديه ، إذ دخل عليه رجل في غاية المهابة ، حتى لم يقدر أحد من الحاضرين أن يقول له :
من أنت ؟ ومن أين تجيء ؟ وعبر إلى إبراهيم ، ووقف بين يديه عند سريره ، فقال له إبراهيم : ماذا تريد ؟ قال : أريد أن أنزل في هذا الرباط . قال إبراهيم : أنت مجنون ! ليس هذا رباطا ؛ بل هو بيتي . قال الرجل : هذا قبلك لمن كان ؟ قال :
لأبي . قال : وقبله ؟ قال : لجدّي . قال : وقبله ؟ قال : لفلان . وقال : وأين هم ؟
قال : ماتوا ومضوا . قال : أوليس الرّباط كذلك يجيء شخص ويذهب آخر ؟
قال هذا الكلام وغاب عنهم - قيل : هذا كان الخضر عليه السلام - فازداد إبراهيم رحمه اللّه حزنا على حزن ، وغمّا على غمّ ، ثم ركب وقصد إلى الصيد ، وقال : قد وصل إليّ اليوم شيء ، ولا أدري كيف يكون مآله ؟ فركب ودخل الصحراء ، وكان يتردّد هائما تائها ، لا يدري أين يروح ، وماذا يفعل ، ووقع من العسكر في ناحية منفردا حتى سمع صوتا يقول له شخص : انتبه . فتغافل عنه ، فسمع ثانيا ، فتغافل عنه ، ثم سمع ثالثا ، فعبر من ذلك ، فسمع رابعا : انتبه قبل أن تنبّه . فتحيّر إبراهيم رحمه اللّه ، وازداد تحيّره إلى أن ظهر قدّامه غزال ، أراد أن يقصده ، فأنطق اللّه الغزال ، وقال : أرسلوني لأن أصيدك ؛ فأنت لا تقدر على أن تصيدني ، ثم سمع من قربوسي « 3 » السرج : يا إبراهيم ، ما لهذا خلقت ، ولا بهذا أمرت . فأعرض عن الغزال ، وازداد قلقه وشوقه ، ولمّا أراد أن يتمّ
هامش
( 1 ) في ( أ ) : شخص في السطح .
( 2 ) في ( ب ) : فهابه ذكر الكلام .
( 3 ) القربوس : حنو السّرج ، أي قسمه المقوّس المرتفع من قدّام المقعد ، ومن مؤخّره .