في خوفهم ، وإن كان خوفهم أكثر من خوف ابن آدم ، إذ ليس لهم عشق ، وهذا أمر يوجد في الإنسان ، ولكن أغبط وأحسد من لم يوجد ، ولا يصير موجودا
وحكي أنّه لمّا حضرته الوفاة ، وكانت له بنتان وامرأة ، أوصى المرأة ، وقال لها : أمسكي بعد وفاتي بيد بناتي واصعدي بهما جبل أبي قبيس « 1 » ، وادعي اللّه تعالى ، وقولي : قال زوجي : أتعهّد وأداري هذه الصغار الضعفاء ما عشت بتوفيقك ، فلمّا توفّيتني فأمورهنّ إليك . فامتثلت أمره ، وفعلت ما أوصى ، وصعدت الجبل بالبنتين ، وناجت ربّها تعالى ، وقالت ما أمرها أن تقول ، وبكت ، وتضرّعت ، فهي في تلك الحالة إذ جاء أمير اليمن ، ومعه ابنان له ، واستخبر عن أحوالهنّ ، فلمّا عرف الحال ، قال : زوّجي بنتيك من ابنيّ كلّا بعشرة آلاف دينار صداقا . فرضيت ، وعقدوا النكاح ، وأعطاهما الملك ما يليق به من الملابس الفاخرة ، والفرش الغالية ، وذهب بهما إلى اليمن . من كان للّه كان اللّه له .
قال عبد اللّه بن المبارك : لمّا توفّي الفضيل رحمه اللّه ارتفع الحزن من القلوب ؛ لأن أحواله وأفعاله وأقواله كانت سببا لوقوع الحزن في القلوب .
اللهم ارزقنا بفضلك من أحوالهم ، وانفعنا بكرمك من أقوالهم ، واستعملنا بلطفك بمثل أعمالهم يا كريم يا رحيم .
* * *
هامش
( 1 ) جبل أبي قبيس : جبل بمكة ، سمّي برجل من مذحج حدّاد ، لأنه أول من بنى فيه ، وكان يسمّى الأمين ، لأن الركن كان مستودعا فيه . القاموس .