وكانت تقول ليلة في مناجاتها : إلهي ، اجعل قلبي حاضرا ، واقبل صلاة من قلبه معك غائب .
فلمّا حضرتها الوفاة كان عندها رجال ، قالت : اذهبوا من عندي ، واجعلوا المكان خاليا لرسل اللّه تعالى .
فخرج الرجال ، وردّوا الباب ، ثم سمعوا من يقول :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . . .
[ الفجر : 27 - 28 ] الآية فما أحسّوا صوتا بعده ، فتحوا الباب ، ودخلوا ، فإذا هي ميتة ، وسلّمت روحها لحبيبها .
قال بعض الأولياء « 1 » : دخلت رابعة في الدنيا وخرجت إلى الآخرة وما تهجّمت على اللّه أبدا ، ولا طلبت منه شيئا أصلا ، فكيف من الخلق ؟
رأوها في المنام بعد الوفاة ، فقيل لها : أخبري عن حالك ، كيف نجوت من منكر ونكير ؟ قالت : لمّا دخلا عليّ ، وقالا : من ربّك ؟ قلت لهما : ارجعا وقولا للّه تعالى : إنك ما نسيتني مع أنّ لك ألوف ألوف مثلي من العبيد والإماء ؛ بل مقدار ما لا يعلمهم إلّا أنت ، وأنا عجوز ضعيفة فقيرة ، ليس لي أحد غيرك ، ولا حبيب سواك ، فهل يمكنني أن أنساك حتى تبعث إليّ رسولا ، ويسألني من ربّك ؟ !
قيل : إنه جاء جماعة إلى قبر رابعة ، ونادوا : يا رابعة ، كنت تدّعين أنك لا تلتفتين إلى الدنيا وما فيها ، فإلى ما انتهى حالك ؟ فسمعوا صوتا من قبرها :
إنّي وصلت إلى ما طلبت .
نسألك اللهم ، يا منجح الآمال ، ويا مقلّب القلوب ، ومغيّر الأحوال أن تثبّت قلوبنا على دينك ومحبّتك ، وتجعلنا بعزّتك من عبادك الصالحين ، يا ربّ العالمين .
* * *
هامش
( 1 ) في ( أ ) : قال بعض العلماء .