لا يخالطني « 1 » أحد ، كنت أفرّ من الناس .
ونقل أنّها كانت تئنّ دائم الأوقات ، قيل لها : يا عزيزة ، لا نرى ولا نعلم لك علّة ولا وجعا ، ولك أنين وتوجّع دائما ! قالت : لي علّة في الجوف ، ووجع في صدري يعجز كلّ طبيب في الدنيا عن معالجته ، ولا دواء لدائي غير وصال حبيبي ، أتعلّل لعلّي أصل إلى مقصودي غدا .
ونقل أنه رآها جماعة ، فسألت واحدا منهم : أنت لم تعبد اللّه تعالى ؟ فقال :
دركات النار عظيمة مهيبة ، ولجميع الخلائق عليها عبور ، فأخاف أن لا أبقى فيها زمان العبور ، فأعبد اللّه تعالى خوفا من النار . فسألت آخر ، فقال : درجات الجنة عالية ، ونعمة غالية ، فلأجل حصول نعمة الجنة أعبد اللّه تعالى . قالت رابعة : أيّ عبد له يعبده خوفا من النار ، وطمعا في الجنة ! قالوا : يا رابعة ، وأنت ، لم تعبدين اللّه تعالى ؟ قالت : الجار ثم الدار ، أليس يكفينا أنه تعالى أذن لنا في عبادته ، فلو لم تكن جنة ولا نار كانت عبادته واجبة علينا ، فإنه مستحقّ العبادة له ، وهو المستحقّ للعبودية
أقول : ويؤيّده أنّه سمع عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنّه كان يقول في مناجاته : إلهي ، ما عبدتك رغبة في الجنة ، ولا رهبة من الجحيم ؛ ولكن وجدتك أهلا للعبادة ، فعبدتك . واللّه أعلم .
نقل أنه جاء إليها شخص ، ورأى ثيابها خلقة مقطّعة ، قال لها : هنا ناس كثير ، إن سألت عنهم ينظرون لك ، ويشفقون عليك . قالت : أنا أستحيي أن أطلب الدّنيا ممن هو ملكه ، وهو مالكها ، يعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء ، فكيف أطلبها من شخص هي عارية في يده ؟ قال الرجل : يا عجبا من علوّ همّة هذه العجوز ؛ فإنّها لا تريد أن تصرف وقتها في غيره ، ولا تشتغل بغيره أبدا - أي بغير اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : ألّا يخاطبني أحد .