مكسورا تشرب منه الماء وتتوضّأ منه ، وقطعة بارية عتيقة ، ولبنة تضع عليها رأسها ، فلمّا رأيت ذلك اتّجع قلبي ، قلت : لي أصحاب ، هم أصحاب مال ، لو أردت أخذت منهم شيئا ، وصرفت في حوائجك ؟ قالت : غلطت يا مالك غلطا عظيما ، أليس رازقي ورازقهم واحدا ؟ قلت : بلى . قالت : هل ينسى الرازق الفقير لفقره ، ويرزق الغني لغناه ؟ قلت : لا . قالت : فإنه يعلم حالي ، فلا حاجة إلى التذكير ، إرادته تقتضي هذا ، فنحن أيضا نريد ما يريده هو .
نقل أنّ الحسن البصري ومالك بن دينار ، وشقيق البلخي رحمهم اللّه جاؤوا إلى رابعة ، وكانت مريضة ، فقال الحسن : ليس بصادق في دعواه من لم يصبر على ضرب « 1 » مولاه . قالت رابعة : يشمّ من هذا « 2 » رائحة الأنانية . قال : شقيق :
ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه « 3 » . فسكتت رابعة ، قال مالك : ليس بصادق في دعواه من لم يتلذّذ بضرب مولاه . قالت رابعة : نريد خيرا من ذلك . قالوا : قولي أنت . قالت : ليس بصادق في دعواه من لم ينس الضّرب في مشاهدة مولاه ، وهذا ليس بعجيب ؛ فإنّ نساء مصر نسين الألم في مشاهدة مخلوق ، فإن حصل هذا الحال في مشاهدة الخالق فلا يكون بعيدا
ونقل أنه جاء إلى رابعة شخص من أكابر البصرة ، وهي كانت مفترشة للوجع ، وأخذ يذمّ الدنيا ، قالت له رابعة : جميل أنّك « 4 » تحبّ الدنيا ، فإنّك لو لم تحبّها لما ذكرتها ؛ فإنّ المشتري للشيء يظهر منه عيبه ، ويحطّ من مقداره ، فإنّك لو كنت فارغا من الدنيا لم يعبر ذكرها على لسانك ، ذلك كما قيل : من أحبّ شيئا أكثر ذكره « 5 » .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : على ضر مولاه .
( 2 ) في ( ب ) : أشمّ من هذا .
( 3 ) في ( ب ) : لم يشكر على مرض مولاه .
( 4 ) في ( أ ) : علمنا أنك تحبّ .
( 5 ) قال العجلوني في كشف الخفا 2 / 307 ( 2352 ) رواه أبو نعيم ، والديلمي عن عائشة رضي اللّه عنها مرفوعا .