تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
كما ظننت ، إنّما هو ولّى من أولياء اللّه تعالى ، عظمت زفرته ، واشتدت حسرته ، وارتفع صوته ، وعلا نحيبه . . قال مالك : فلما سمعت الهاتف الذي هتف بي هدأ روعى ، وردّت إليّ روحي ، وعدت إلى طريقي راجعا ، وإذا أنا بشابّ قد أذابته العبادة حتى عاد كالخلال « 1 » ، فسلمت عليه ، فردّ عليّ ، فأخبرته بعطشى ، وقد لحقني منه هيبة عظيمة ، فنظر إليّ وقال : يا مالك ، أما وجدت في البريّة نقطة ماء ؟ ثم قام إلى صخرة في الجبل فضرب بها برجله وقال : اسقنا ماء بقدرة من يحيى العظام وهي رميم ، فإذا أنا بالماء ، فشربت حتى رويت ، ثم قلت له : أوصني بشئ أنتفع به . . فقال : يا مولاي ، كن لمولاك في الخلوات حتى يسقيك الماء من الصخرة في الفلوات . . ثم أنشد وجعل يقول :
أهل المحبّة ما نالوا الذي قصدوا * حتى لمولاهم في الخلوة انفردوا
تراهم الدّهر لا يمضون من بلد * إلّا ويبكى عليهم ذلك البلد
لا يعطفون على أهل ولا ولد * ولا ينامون إن كان الورى رقدوا
فالذّكر مطعمهم ، والشّكر مشربهم * والوجد مركبهم من أجل ذا سعدوا
لا يبرحون على أبواب سيّدهم * ولا يريدون إلّا من له عبدوا
فالشّوق يضرم نارا في قلوبهم * ونارهم في ظلام اللّيل تتّقد
مساجد اللّه مأواهم ومسكنهم * وعيشهم في حماه طيّب رغد
حكى عن ذي النون المصري رضى اللّه عنه ، أنه قال : وصفت لي جارية متعبدة ، فأحببت لقاءها ، فخرجت إلى الجبل أطلبها ، فلم أرها ، فلقيت جماعة من المتعبدين ، فسألتهم عنها ، فقالوا : تسأل عن المجانين وتترك العقلاء ؟ قال ذو النون : فقلت لهم : دلّونى عليها ، فإن كانت مجنونة تركتها . فقالوا : إنّا نراها مرّة تجوز بنا تقع ، ومرة تقوم ، ومرة تصيح ، ومرة تضحك ، ومرة
هامش
( 1 ) أي : كالعود الرفيع .