هذه مشورتك المنكوسة .
وكان سلام الله عليه إذا غضب وقام عرق الغضب بين عينيه تنحاه الصحابة ، فلم
يقدر أحد على القرب منه ، والتجأوا إلى عمه العباس ( 1 ) ، فشفع إليه في خالد ،
فأطلقه لأجله بعد أن كادت نفسه تتلف ، وقد افتضح بين القوم .
أقول : هذه الواقعة من أوضح الدلائل على ردتهم ، وكفرهم ، وانقلابهم ،
واستحلالهم لقتله صلوات الله عليه ، وبلوغهم المبلغ الفضيع في الجبر والاكراه ،
والتمرد على الله عز مجده .
وهذا الخبر مروي عند الكل ، حتى أن بعض الشافعية استدل بهذه الواقعة على
جواز الكلام قبل التسليم في الصلاة للضرورة ، اعتمادا على فعل أبي بكر ونهيه خالدا
عما واطأه عليه من قتله لمولانا ( عليه السلام ) . وقال آخرون : لا يجوز ذلك ، فان أبا بكر قال
ذلك بعد أن سلم في نفسه .
وأما شكاياته ( عليه السلام ) من هؤلاء الثلاثة المتلصصين ، فقد نقلها المخالف والمؤالف ،
وكتاب نهج البلاغة مشحون بها .
ومن ذلك قوله ( عليه السلام ) في الخطبة الشقشقية ( 2 ) : أما والله لقد تقمصها فلان ( 3 ) وانه
ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ( 4 ) ، ينحدر عني السيل ( 5 ) ولا يرقى إلي
هامش
( 1 ) في بعض التواريخ : فالتجأوا إلى ابن عباس ، وكأنه سهو ( منه ) .
( 2 ) نهج البلاغة ص 48 - 50 رقم الخطبة : 3 .
( 3 ) المراد بفلان أبو بكر . وفي بعض النسخ ( لقد تقمصها ابن أبي قحافة ) والضمير في
( تقمصها ) راجع إلى الخلافة لمعهوديتها ، أو سبق ذكرها ( منه ) .
( 4 ) قطب الرحى هو ما تدور عليه ، ولا يتم الانتفاع بها الا به ، وشبه نفسه به لأن
الخلافة لا تقوم ولا يتم الانتفاع بها بدونه كحال القطب من الرحى ( منه ) .
( 5 ) هذا كناية عن ارتفاع محله وعظم شأنه . وكذا قوله ( ولا يرقى إلي الطير ) فان الجبال
الشامخة جدا لا يبيت عليها الطير ، بل ينحدر عنها السيل إلى الوهاد ، وكذا لا يرقى إليها
الطير ، وهذا كناية عن أفضليته ( عليه السلام ) على من نازعه الخلافة ، وان نسبته ( عليه السلام ) إليه كنسبة
الجبال الشامخة إلى الوهاد ( منه ) .