وقال : كنت أدافع إلى شدّة الفاقة أيّاما كثيرة ، وربّما كنت أسقط مغشيّا عليّ ، وكنت حينئذ قليل الدّراية ، وكنت انظر إلى أظفار أصابعي كمدة من الجوع ، فقلت ذات يوم : [ يا ربّ ] لو علّمتني اسمك الأعظم ؛ سألتك به إذا حلّت بي فاقة متلفة . فبينا أنا في بعض الأيام بدمشق على باب البريد « 1 » جالس في المسجد ، رأيت رجلين قد دخلا المسجد ، فوقع في نفسي أنّهما ملكان ، فوقفا بحذائي ، فقال أحدهما للآخر : تريد أن أعلّمك اسم اللّه الأعظم ؟ . فقال له الآخر : نعم . فأصغيت إليهما ، فقال : هو أن تقول يا اللّه . فقلت : قد تعلّمت ، ورجعت كما كنت ، فقال أحدهما لصاحبه : ليس كما تقول أنت ، ولكن بصدق اللّجإ . قال : أبو بكر : صدق اللّجإ أن تكون مثل الغريق في لجّة البحر ، لم يبق له شيء يتعلّق به ، ولا له ملجأ إلّا اللّه تعالى « 2 » .
وقال أبو علي الدّقّاق : سمعت إنسانا صيدلانيا من المراوزة ، يقول :
اجتاز الواسطيّ يوم جمعة بباب حانوتيّ قاصدا إلى الجامع ، فانقطع شسع نعله ، فقلت له : أيّها الشيخ ، أتأذن لي أن أصلح نعلك ؟ قال : أصلح .
فأصلحته ، فقال : أتدري لم انقطع شسع نعلي ؟ فقلت : حتّى تقول . فقال :
لأنّي ما اغتسلت للجمعة . قلت : يا سيدي ، هاهنا حمّام ، تدخله ؟ قال : نعم .
فأدخلته الحمّام ، فاغتسل ، وخرج .
ومات الواسطيّ بمرو بعد العشرين وثلاث مائة .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) باب البريد يطلق اليوم على الباب الغربي لصحن الجامع الأموي ، وكان الباب الغربي لمعبد جوبيتر الدمشقي ، بين سوق الحميدية والمسكية ، وكان له رواق معمد لا زالت بقاياه قائمة إلى اليوم في منطقة المسكية ، وبناء باب البريد الأصلي العائد لمعبد جوبيتر بقي قائما حتى العهد الأيوبي حين قام الملك العادل أبو بكر بن أيوب بنقل حجارته وعمده إلى القلعة لعمارتها . معالم دمشق التاريخية 41 ، تأليف أحمد الإيبش ود . قتيبة الشهابي ، وزارة الثقافة . دمشق ( 1996 ) .
( 2 ) روض الرياحين 423 ( الحكاية 393 ) .