قد فتح عليّ قبل دخولي إلى دمشق بأيام ، فتوهّم واحد منهم أن معي معلوما ، أو لي يسارا . فقال لي : ألا تستحي من اللّه ؟ تأكل خبز الفقراء ، وأنت غني . فقلت : ما علمت أنّ للفقراء خبزا ، ولو علمت ما أكلت . ثم أمسكت يدي . فسمع الدّقيّ فاستخفّ بالرّجل استخفافا شديدا ، ثم عرّفني إليهم ، فجاء الرّجل معتذرا . فقلت : يا أخي ، إنّ خبز الفقراء لا مالك له ، وإنّما هو لمن يأكل ؛ لأنّ الفقير لا يملك « 1 » .
وقال علي بن بكران بإسناده : كان بالشّيخ قديما وجع الخاصرة ، فكان إذا أخذه أقعده عن الحركة ، وكان إذا أقيمت الصّلاة يحمل على الظّهر إلى المسجد ليصلّي ، فقيل له في ذلك : لو خفّفت عن نفسك لكان لك سعة في العلم . فقال : إذا سمعتم حيّ على الصّلاة ، ولا تروني في الصّف فاطلبوني في المقابر « 2 » .
وقال : ما وجبت عليّ زكاة الفطر أربعين سنة ، ولي قبول عظيم بين الخاصّ والعام « 3 » .
وقال أبو أحمد الكبير : كان أبو عبد اللّه إذا أراد أن يخرج إلى صلاة الجمعة يقول لي : هات ما عندنا . فأحمل إليه كلّ ما فتح من الذّهب والفضة وغيره ، فيفرّقه كلّه ثم يخرج إلى صلاة الجمعة « 4 » .
وقال أبو الفتح بن عبد الرّحيم : سمعت الشّيخ يقول : سألت اللّه أن ألقاه ولا يكون لي شيء ، ولا لأحد عليّ شيء ، ولا يكون على بدني من اللّحم شيء ، فمات - رحمه اللّه - وهو كذلك « 5 » . وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة ، وله مائة وأربع سنين .
هامش
( 1 ) مختصر تاريخ دمشق 22 / 141 .
( 2 ) مختصر تاريخ دمشق 22 / 144 ، سير أعلام النبلاء 16 / 346 .
( 3 ) سير أعلام النبلاء 16 / 346 .
( 4 ) مختصر تاريخ دمشق 22 / 144 .
( 5 ) مختصر تاريخ دمشق 22 / 146 .