قال : كنت إذا فتح لي بشيء لا أبيّته لغد ، ومهما فتح لي من النهار أخرجه قبل الليل ، فدفع لي ذات يوم ثلاثة دراهم بالعشي ، فقلت : أخرجها إذا أصبحنا . فجعلتها في وسطي ، ونمت ، فرأيت في المنام كأنّي قد حشرت وفي وسطي ثلاثة زنانير ، فاغتممت ، وجعلت أحلّها وأتعجّب من ذلك . فقال لي قائل : هذه الثلاثة دراهم التي ادّخرتها . فانتبهت فزعا ، فقمت ودفعتها في الوقت إلى الفقراء « 1 » .
وقال : كنت أخرج كلّ ما فتح عليّ إلى الفقراء ، ولا أدّخر منه لنفسي شيئا ، ففتح عليّ « 2 » بالرّملة نصف دينار ، وكان عليّ ببيت المقدس نصف دينار دينا . فقدم جماعة فقراء من الحجاز ، فقصدوني ، وسلّموا عليّ ، فجعلت أميّز بين أن أحبسه لقضاء ديني ، وبين أن أخرجه على ما عوّدت من خليقتي . فقوي عليّ شاهد العلم أنّ إمساكه للدّين أولى . فبات الفقراء جياعا على حالهم ، وبتّ معهم . فضرب عليّ ضرس من أضراسي تلك الليلة ، فلم أنم ، فأشير عليّ بقلعه ، فجئت إلى حسن الشّرقيّ - صاحب لنا - وأخذت منه نصف درهم ، وقلعت الضّرس . ثم خطر بقلبي إخراج نصف « 3 » الدينار ، ثم قلت : الدّين أوجب . فحبسته ، فضرب عليّ في الليلة الثانية ضرس آخر أسهرني ، وبات الفقراء جياعا ، فجئت إلى حسن ، وأخذت منه نصف درهم ، وقلعت الضّرس . ثم ذكرت نصف الدّينار ، فقلت : لعلّي عوقبت بحبسه ، ثم قلت : ما هو لي ، وإنما حبسته لغيري ، قضاء دين عليّ . ثم ضرب ضرس آخر فهممت بقلعه ، فأخرجته قبل الليل ، فهتف بي هاتف : لو لم تخرجه لقلعنا أضراسك ضرسا ضرسا حتى لا يبقى في فيك ضرس واحد . قال : فجئت إلى الفقراء وعرّفتهم . فقالوا : ما
هامش
( 1 ) مختصر تاريخ دمشق 22 / 153 .
( 2 ) في ( أ ) فتح لي .
( 3 ) في ( أ ) النصف .