قال : من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان : من أمر بالمعروف وأتمر ، ونهى عن المنكر وانتهى ، وحافظ على حدود اللّه تعالى . ألا أزيدك ؟ . قلت : بلى . قال : كن في الدّنيا زاهدا ، وفي الآخرة راغبا . ثم مضى فسألت عنه . فقيل : هو الشّافعيّ .
وقال يحيى بن الوزير : خرج الشّافعيّ يوما من سوق القناديل متوجّها إلى حجرته فتبعناه ، فإذا رجل يسفّه على رجل من أهل العلم ، فالتفت إلينا الشّافعيّ ، فقال : نزّهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزّهون ألسنتكم عن النّطق به ، فإن المستمع شريك القائل ؛ وإنّ السّفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه ، فيحرص على أن يفرغه في أوعيتكم ، ولو ردّت كلمة السّفيه لسعد رادّها كما يشقى بها قائلها « 1 » .
وقال : الحسد إنّما يكون من لؤم العنصر ، وتعادي الطبائع ، واختلاف التركيب ، وفساد مزاج البنية ، وضعف عقد القلب « 2 » ، والحاسد طويل الحسرات ، وعادم الرّاحات « 3 » .
وكان عبد القاهر بن عبد العزيز رجلا صالحا ، ورعا . وكان يسأل الشّافعيّ عن مسائل في الورع . والشّافعيّ يقبل عليه لورعه ، فقال للشّافعيّ :
أيّما أفضل الصّبر ، أو المحنة ، أو التّمكين ؟ . فقال : التّمكين درجة الأنبياء ، ولا يكون التمكين إلّا بعد المحنة ، فإذا امتحن صبر ، فإذا صبر مكّن . ألا ترى اللّه تعالى امتحن إبراهيم عليه السّلام ، ثم مكّنه . وامتحن موسى عليه السّلام ثم مكّنه ، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكّن له ، وامتحن سليمان عليه السلام ثم آتاه ملكا . فالتمكين أفضل الدّرجات .
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 9 / 123 .
( 2 ) في هامش ( ب ) : وفي نسخة العقل .
( 3 ) حلية الأولياء 9 / 147 .