وقال المغيرة بن حبيب ، ختن مالك بن دينار : قلت لنفسي : يموت مالك ، وأنا معه في الدار ، ولا أدري ما عمله ! فصلّيت معه العشاء الآخرة ، ثم جئت فلبست قطيفة في أول « 1 » ما يكون من الليل . وجاء مالك ، فدخل فقرّب رغيفه ، فأكل ثم قام إلى الصّلاة ، فاستفتح ، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول : يا ربّ ، إذا جمعت الأوّلين والآخرين ، فحرّم شيبة مالك بن دينار على النّار . فقال : واللّه ، ما زال كذلك حتى غلبتني عيني ، ثم انتبهت فإذا هو على تلك الحال ، يقدّم رجلا ، ويؤخّر أخرى ، ويقول : يا ربّ ، إذا جمعت الأوّلين ، والآخرين فحرّم شيبة مالك بن دينار على النار . فما زال كذلك حتى طلع الفجر . فقلت في نفسي : واللّه ، لئن خرج مالك ، فرآني لا يبلّني عنده بالّة أبدا « 2 » . فجئت إلى المنزل وتركته « 3 » .
وقال جعفر : سمعت مالكا يقول : كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة ، وكفى بالمرء شرّا أن لا يكون صالحا ويقع في الصالحين « 4 » .
وقال : إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ القطر عن الصّفا « 5 » .
وقال : إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم ، وإذا طلبته لغير العمل به لم يزدك إلّا فخرا « 6 » .
قال جعفر : وكانت الغيوم تجىء وتذهب ولا تمطر فيقول مالك : أنتم
هامش
( 1 ) في الحلية 2 / 361 ، وصفة الصفوة 3 / 282 : في أطوال ما يكون . .
( 2 ) لا يبلّني عنده بالّة : أي لا يصيبني منه خير ولا ندى . انظر اللسان ( بلل ) .
( 3 ) الحلية 2 / 361 .
( 4 ) صفة الصفوة 3 / 282 .
( 5 ) الحلية 2 / 372 .
( 6 ) الحلية 2 / 379 ، صفة الصفوة 3 / 283 .