وقال المنذر : رأيت مالكا ومعه كراع من هذه الأكارع « 1 » التي قد طبخت ، فهو يشمّه ساعة بساعة ، ثم مرّ على شيخ مسكين على ظهر الطريق يتصدّق عليه « 2 » . فقال : هاه يا شيخ . فناوله إيّاه ، ثم مسح بالجدار يده « 3 » ، ثم وضع كساءه على رأسه ، وذهب . فلقيت صديقا له ، فقلت :
رأيت من مالك اليوم كذا وكذا . قال : أنا أخبرك . كان يشتهيه منذ زمان ، فاشتراه ، فلم تطب نفسه أن يأكله ، فتصدّق به « 4 » .
وقال أبو إبراهيم - جليس مالك - : سمعت مالكا قال لرجل من أصحابه : إنّي لأشتهي رغيفا ليّنا بلبن رائب . فانطلق ، فجاء به ، فجعل مالك يقلّبه وينظر إليه ، وقال : اشتهيتك « 5 » منذ أربعين سنة فغلبتك حتّى كان اليوم تريد أن تغلبني ؟ إليك عنّي . وأبى أن يأكله « 4 » .
وقال جعفر بن سليمان : قال لي مالك بن دينار : انظر إليّ ، كيف ترى عقلي ؟ ( * قلت : ما أرى به بأسا . قال : ما أكلت من فاكهتكم هذه منذ ثلاثين سنة ، لا رطبها ولا يابسها ، وما نقص من عقلي * ) « 6 » شيء ولا زاد في عقولكم شيء « 7 » .
وقال جعفر : قال مالك : لوددت أنّ اللّه عزّ وجلّ جعل رزقي في حصاة أمصّها . لقد استحيت من كثره اختلافي إلى الكنيف « 8 » .
هامش
( 1 ) الكراع من الدابة : قوائمها . القاموس ( كرع ) .
( 2 ) لفظة ( عليه ) ليست في ( أ ) .
( 3 ) لفظة ( يده ) ليست في ( أ ) .
( 4 ) الحلية 2 / 366 .
( 5 ) في ( ب ) : أشتهيك .
( 6 ) ( * - * ) ما بينهما ليس في ( أ ) .
( 7 ) مختصر تاريخ دمشق 24 / 29 .
( 8 ) في الحلية 2 / 370 بعد ( حصاة أمصها ) جاء ما نصّه : لا ألتمس غيرها حتى أموت .