وقال الحارث بن سويد : كان المقداد في سريّة فحصرهم « 1 » العدو ، فعزم الأمير أن لا يجشر « 2 » أحد دابّته ، فجشر رجل دابّته ، لم تبلغه [ العزيمة ] فضربه ، فرجع الرجل وهو يقول : ما لقيت كما لقيت [ اليوم ] قطّ .
فمرّ على المقداد فقال : ما شأنك ؟ فذكر له قصّته ، فتقلّد السيف ، وانطلق معه حتى انتهى إلى الأمير ، فقال : أقده من نفسك . فأقاده ، فعفا الرجل ، فرجع المقداد وهو يقول : لأموتنّ والإسلام عزيز « 3 » .
وقال أبو راشد : وافيت المقداد فارس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصّيارفة ، [ قد أفضل عليها من عظمه ] بحمص ، يريد الغزو ، فقلت له : لقد أعذر اللّه إليك . فقال : أبت علينا سورة البعوث :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
[ التوبة : 41 ] « 4 » .
ومات المقداد بأرضه بالجرف على ثلاث أميال من المدينة ، فحمل على رقاب الرّجال حتى دفن بالبقيع سنة ثلاث وثلاثين ، وله سبعون سنة ، أو نحوها ، وصلّى عليه عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما « 5 » .
* * *
هامش
( 1 ) في الأصل : « فحضرهم » ، والمثبت من الحلية .
( 2 ) الجشر : بقل الربيع ، جشر دابّته : أخرجها إلى المرعى . انظر اللسان ( جشر ) .
( 3 ) الحلية 1 / 176 ، وما بين المعقوفين مستدرك منه .
( 4 ) أخرجه ابن سعد في طبقاته 3 / 163 ، وأبو نعيم في الحلية 1 / 176 ، والحاكم 3 / 349 وصححه ، وما بين المعقوفين مستدرك منه . وأعذر اللّه إليك : أي عذرك لثقل بدنك ، فأسقط عنك الجهاد . والبعوث هكذا في الأصل ، والحلية . وعند ابن سعد والحاكم : « البحوث » وسمّيت لذلك لنها بحثت عن المنافقين وأسرارهم .
( 5 ) طبقات ابن سعد 3 / 163 .